#adsense

رسالة سيادية إلى رئيس جمهورية الثورتين

حجم الخط

عن قمة دمشق الأخيرة وشروط الأسد ودروس التجربة اللبنانية الطويلة
رسالة سيادية إلى رئيس جمهورية "الثورتين"

فخامة الرئيس ميشال سليمان المحترم
تحية طيّبة وبعد،
نحن نُدرك أن المبادئ التي ترعى المفاوضات قد ألحقت الظلم بما أنجزته في زيارتك الأخيرة لسوريا، ولكن ـ وهذا يقيننا ـ لا يزعجك وأنت ترى اللبنانيين الذين "يُنفّخون على اللبن السوري بعدما كواهم حليبه"، يسيرون بهدي مبدأ "خذ وطالب"، لأن التاريخ علّمهم أن النظام السوري لا يحجب حقاً من حقوقهم الطبيعية، إلا لأنه يريد مقايضته بالحصول على عوامل قوة تُمكّنه من الانقضاض على رزمة أخرى من حقوقهم الوطنية.

ونحن، كُن واثقاً يا فخامة الرئيس، نشعر بالفخر بما أقدمت عليه، منذ اللحظة الأولى، وسوف يكتب التاريخ أنك أوّل رئيس بعد الراحل اللواء فؤاد شهاب، يعتبر أن الشكل في العلاقات مع سوريا هو المدخل الطبيعي إلى الأساس. هو فرض "قمة الخيمة" وأنت فرضت "قمة الحقوق".

نحن نرى جيّداً، يا فخامة الرئيس. رأينا كيف تصرفت في باريس. كيف رسّخت الحق اللبناني في القمة الرباعية التي استضافها قصر الإليزيه، وكيف رسّخت الندية اللبنانية ـ السورية عندما سارع الرئيس السوري بشار الأسد إلى سيارتك لينتقل بمعيّتك إلى مقرك في زيارة تهنئة قبل أن تقوم بـ"ردّ الرجل" في زيارة مجاملة إلى مقره، وكيف تعاملت مع اللبنانيين الذين أرادوا الاجتماع بك في "عاصمة الأنوار" وماذا قلت لهم.

نحن نعي جيّداً، يا فخامة الرئيس. نعي ماذا يعني قدوم وزير الخارجية السورية وليد المعلم إلى لبنان في ضوء لقاءات باريس حاملاً إليك دعوة رسمية لزيارة سوريا، ونعي ماذا يعني دخولك إلى دمشق من المطار حيث أقيم لك استقبال رسمي لا يفرضه إلا الرؤساء ـ الرؤساء، ونعي ماذا يعني أن تحمل معك إلى القيادة السورية لائحة مطالب بحقوق اللبنانيين، خارقاً بذلك محرّمات كانت في السابق تحوّل من يتجرّأ على طرح بند واحد منها إلى.. شهيد.
ونحن نفهم جيّداً، يا فخامة الرئيس. نفهم أنّ قادة لبنانيين سبقوك كانوا "يتحايلون" ـ حتى لا نقول يتآمرون ـ على الحقوق الطبيعية للشعب اللبناني. كانوا يتركون القيادة السورية تطرح مطالب يرفعها اللبنانيون لينبروا هم لرفضها، مبرئين بذلك "دولة الوصاية" أمام المجتمع الدولي. نفهم أنّك بطرحك حقوق اللبنانيين أظهرت أن النظام السوري لا يزال هو هو، أي هذا النظام الذي لا يُعطي اللبنانيين شيئاً من أجل تحسين العلاقات اللبنانية ـ السورية، فهو إذا أعطى فلكي يحصل على مكافأة دولية علّها تمكنه في مرحلة لاحقة من أن يعود ليأخذ أضعاف ما أعطى.

شكراً، يا فخامة الرئيس على ما أنجزته لنا. شكرا لأنّك لم تضيّع تضحيات شعبنا هباء. شكراً، لأنّك استثمرت "ثورة الأرز" في سلوكياتك. هذه الثورة البيضاء التي لم تتطلع يوماً إلى القطع مع سوريا، بل إلى إعادة الوصل على أسس صحيحة وسليمة بين دولتين حقيقتين، وليس بين دولة وإقليم مُلحق.

ولكن يا فخامة الرئيس، إسمح لنا أن نضعك في حقيقة ما لدينا من ملاحظات. ملاحظات لا تستهدفك، لا سمح الله، بل تعبّر عمّا تختزنه ذاكراتنا من تجارب وما تزخر به عقولنا من دروس وعبر.

أنت تُدرك من دون شك، يا فخامة الرئيس، أهمية "ميزان القوى" في عملية التفاوض، ولو بين الإخوة. وأنت تتذكّر على الأرجح، كم كانت فرحة الرئيس الراحل فؤاد شهاب كبيرة بـ"الثورة المضادة" التي قادتها القيادات المسيحية في بداية عهده الذي أتى على أجنحة ثورة 1958 الحمراء، اعتقاداً منه أن لبنان يستحيل أن ينشئ دولة معافاة تراعي التوازن بين جميع المكوّنات الشعبية في حال كان هناك طرف يحسب نفسه أقوى من الطرف الآخر.

وأنت تُدرك يا فخامة الرئيس، أنّ النظام السوري الذي تطالبه بإعادة الحقوق المسلوبة، يستقوي بأمور كثيرة منها وجود قوى سياسية موالية له في لبنان، ووجود قوى مسلّحة في لبنان تدعم كل ما يطالب به عن حق أو عن باطل، ووجود وسائل إعلام تهشّم باللبنانيين لمصلحته، ووجود مجموعات موت إرهابية تتحرك بما يتناسب والأجندة السورية. وأنت الأدرى بأن المخابرات اللبنانية على تنوّعها إذا وضعت يدها على عمل أمني سوري فهي تُفضل أن تُطوى الصفحة لأن "الحكمة" تقضي بذلك، وأنت الأفهم بأن عقيدة الحياد في الداخل التي تنتهجها المؤسسة العسكرية أصبحت قاتلة، لأنها تُعطي مزيداً من القوة للقوي وتزيد الضعيف ضعفاً، وأنت الأعلم بمكبّرات الصوت التي تستعملها المخابرات السورية في الداخل اللبناني.

في المقابل، ماذا تملك يا فخامة الرئيس لتُحقق لنا الإنجازات التاريخية التي تتطلع بصدق إليها غير عزيمة شعبك وغير مزايا وطنك المكتسبة، وتالياً فمقابل أي مكسب يُمكن أن تضغط حتى لا يعود لبنان، لا ملجأ للمضطهدين ولا موطناً للحريات الإعلامية؟.

أنت تذكر بلا ريب، فخامة الرئيس، كل ما حصل في بدايات العام 2006، عندما حاولت المملكة العربية السعودية أن تُصلح ذات البين بين لبنان وسوريا، حينها ابتعدت وسائل الإعلام اللبنانية كلياً عن كل ما من شأنه أن يُثير انزعاج النظام السوري لدرجة أصبح موضوع التحقيق الدولي في ملفات الاغتيالات من المحظورات الوطنية بعدما كان الدخول العربي والأممي على خط هذا التحقيق قد أصاب ديتليف ميليس بالقرف ففضّل ترك مهمته. ولكن بالمقابل ماذا حصل؟، لقد أخذت المخابرات السورية راحتها، فراحت تزوّر المعطيات والوقائع لدرجة كادت تجعل من الضحية مجرماً، وراحت تطالب برؤوس زعماء لبنانيين وسياسيين وصحافيين، فخارت قوة الدفع اللبنانية قبل أن يقع الوطن فريسة حرب تموز التي قال السوريون للأميركيين لاحقاً إنها حرب لا يُمكن فيها أن تنتصر منظمة على دولة ولكنها تهدف إلى جذب دولة إلى التفاوض مع دولة أخرى.

وهذا يعني، يا فخامة الرئيس، أن لبنان عندما يتخلّى عن ميزاته التفاضلية يفقد ذاته ويعود ليكون مجرد ورقة في يد النظام السوري. هذا النظام لا يؤمن بالتبادلية مع لبنان، بل يعتبر أن مكاسبه متى بدأت لا تتوقف لأنها تكون نتاج وقوع "الخصم اللبناني" في حفرة بلا قعر.

نعم يا فخامة الرئيس، نحن عوامل قوتك، بغض النظر عن تقييمك لهذه النحن. نحن الإعلام الحر الذي لا يجد فرقاً بين فضيحة سورية وأخرى أميركية، والذي لا يستقوي على مسؤول لبناني ليحذف ذاته متى تعلّق الأمر بمسؤول سوري، ولا يُحصي أنفاس أجهزته الأمنية ليترك الأجهزة السورية تسرح وتمرح، ولا يرتضي أن يضع اللوم على من لا حول ولا قوة لهم من أجل أن يُغطي مسؤولية النظام السوري الذي كان قابضا على الأرواح، ولا يتساهل عندما يرى "خنازير مزرعة الحيوانات" (كتاب جورج أورويل) يحرّفون في ليل الشعارات التي كتبوها في النهار. وبهذا المعنى كيف يجوز الصمت على ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية عندما يرون يد وليد المعلم تُقدم على تحريفه ليصبح ملف المفقودين السوريين واللبنانيين في.. لبنان!؟.

نعم، يا فخامة الرئيس، نحن عوامل قوتك. نحن أولئك الذين يبحثون في "إضبارة" كل من يتم ترشيحه لمنصب أمني، فيثورون كلّما وجدوا بينهم عميلاً للنظام السوري لأن تعيين أي من هؤلاء يُلغيك يا فخامة الرئيس، فمن يملك أدوات تُنفّذ أوامره تلقائياً، لا يجد نفسه مضطراً للعودة إليك، فيتمكّن بتواطؤ أن يُلغي خصومه إما بالخطف وإما بالقتل وإما بفبركة الملفات وإما بتمرير المؤامرات.

تذكر يا فخامة الرئيس ما حصل مع من سبقوك من الرؤساء وقيّم موضوعياً ظروفهم، فتُدرك أن ضعفهم لم يكن نتاج شخصياتهم بل نتاج إلغائنا نحن، وأن تواطؤهم لم يكن وليد طبيعة خائنة بل كان نتاج اضطهادنا نحن، وأنهم أنهوا ذواتهم الوطنية يوم ألغوا قدراتنا.. نحن.

كم نتمنّى يا فخامة الرئيس، ان تفسح لك انشغالاتك بعض الوقت لتقرأ محاضر سورية ـ لبنانية سابقة، ولعلّ النموذجي منها تلك المحاضر التي تعود للعام 1973 حين أقفل النظام السوري الحدود اللبنانية ـ السورية واستدعى لبنان إلى التفاوض. يومها كان رئيس الجمهورية هو الراحل سليمان فرنجية، الصديق الشخصي للراحل حافظ الأسد، ومع ذلك كان المطلوب سوريا من لبنان ما هو أكبر من طاقته على التحمّل. كان مطلوباً ترك "المقاومة الفلسطينية" ـ المدعومة شعبياً آنذاك بقدر الدعم الذي تحصل عليه اليوم "المقاومة الإسلامية" إن لم يكن أكثر ـ أن تتمدد على حساب سيادة الدولة، وكان مطلوباً وضع "كواتم للصوت" على أفواه زعماء أمثال كميل شمعون وبيار الجميل وصائب سلام وتقي الدين الصلح، وكان مطلوباً أن يخضع الإعلام اللبناني لرقابة مسبقة، وكان مطلوباً أن تُسلّم الدولة اللبنانية إلى السلطات السورية كلّ شخص ترى أنه يشكل خطراً عليها.

وأنت الأدرى يا فخامة الرئيس، ماذا كانت نتيجة كل تلك التنازلات. أتت الحرب الأهلية التي تولّت "الصاعقة" السورية و"جيش التحرير الفلسطيني" السوري إشعالها. وأتى الجيش السوري بمجازره قبل أن يقبض على روح لبنان.

وفي الختام، ثق يا فخامة الرئيس بأنّ اللبنانيين، جميع اللبنانيين، يضعون أنفسهم بتصرفكم لإنجاح مساعيكم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل