#dfp #adsense

مقاومتنا ومقاومتهم

حجم الخط

مقاومتنا ومقاومتهم 

منذ ليل الأحد 13 نيسان 1975، راح اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً يغفون ويستيقظون على أصوات الأعيرة النارية ودوي المدافع، لكن سرعان ما تشكّلت مقاومة على نحو عفوي في رد فعل غرائزي، تقاتل المهاجمين وتدافع عن الذات والوطن ضد المعتدي ثم نظّمت نفسها مع الوقت، ملأت الفراغات التي راحت تكشفها على الصعد كافة، في حركة بقاء شاقة ومضنية، فكانت "القوات اللبنانية" مؤسسة متكاملة أشبه بجيش عدة وعتاداً وعديداً وتنظيماً وخبرة في القتال. لكن ما ان حصل اجماع على حلّ كل التنظيمات العسكرية تحت عنوان "اتفاق الطائف" كان لا بد من قرار جريء وجبّار اتّخذه قائد "القوات" الدكتور سمير جعجع، فبادر إلى البدء بورشة كبيرة لحلّ الهيكليّة العسكرية تنفيذاً لقرار الاجماع الوطني، رغم اقتناع كثر من المسيحيين آنذاك بأن السلاح في حوزتهم هو سلاح مقاوم مئة في المئة. نسوق هذا الكلام لأن وضع شركائنا الشيعة اليوم مشابه لوضع المسيحيين في آخر الثمانينات عندما كانت مناطقهم معبأة بكل انواع السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل. فماذا يمنع "حزب الله" اليوم من مباشرة التفكير بورشة كبيرة لحل التنظيم العسكري أو ضمّه إلى المؤسسة العسكرية الرسمية ايّ الجيش اللبناني تمهيداً ليكون العمل المقاوم من ضمن الدولة؟ ألم يفقد الحزب الاجماع الوطني حول وجوده كمقاومة عسكرية؟ ألم يصبح وجوده عبئاً يعدما اصطدم بفئات كبيرة من شركائه في الوطن؟ ألم يحن الوقت لقرار جريء اقتداء بـ"القوات" للإنصهار في مشروع الدولة؟ نظن ان الفرصة المتاحة للحزب الشيعيّ الانتماء والعتاصر والتمويل والالتزام والثقافة، لم تتح لأحد من التنظيمات المقاومة في لبنان.

لقد سلّمت "القوات"، في قرار ناضج، أكثر ما كان يضمن وجود المسيحيين في لبنان وما يعزز حضورهم في أحلك الظروف، تسهبلاً لقيام دولة قويّة، فعليّة، مبنيّة على أساسات صلبة ومثبتة ومبادئ ثابتة، تؤمّن الحرية لشعبها والسيادة والاستقلال. علماً ان "القوات اللبنانية" كانت الاطار العسكري الوحيد الذي يعبّر عن المسار التاريخي المقاوم للمسيحيين، فسلّمت البندقية التي ما فارقتهم يوماً على مرّ العصور، تخلّت عن الأمن الذاتي، متّكلة على مؤسسات الدولة تحميها وتصونها.

في الواقع لم يكن سهلاً التخلي عن السلاح في بداية التسعينات، لكن القيادة الحكيمة خاضت مرحلة تحوليّة صعبة. صحيح انها ألحقت بعناصرها "عذابات نفسيّة"وبجسمها التنظيمي تغييراً جذرياً، الاّ انها تمكّنت بفترة قياسية من الانتقال من حال الحرب إلى حال السلم، والتحوّل من المؤسسة العسكرية إلى المؤسسة السياسية المحافظة على هويتها، وقد أثبتت حينها قدرة على التكيّف مع ايّ واقع، ومرونة فائقة في التعامل مع وضع جديد ليس مألوفاً لديها.

في ذلك الوقت، كانت أقصى أمنيات القواتيين استيعابهم في المجتمع والأجهزة الأمنية ومؤسسة الجيش اللبناني، وكانت أقصى أمنياتهم ان يحظوا بهذا الاحتضان الذي تبديه كل مؤسسات الدولة حيال عناصر "حزب الله". لكن المؤسف ان رموز حاقدة من النظام الأمني مدعومة من سلطة الوصاية السورية كانت تمعن في اضطهادهم بقسوة والانتقام والثأر. وبدلاً من الاستيعاب والتأهيل والتسهيل واجهوا الاعتقال والتعذيب والقتل وما إلى هنالك من أفعال قمعيّة باتت معروقة للقاصي والداني.

أما الآن فتطالب أكثرية اللبنانيين بانخراط سلاح الحزب بالمؤسسات الأمنية الشرعية، ما عدا بعض الأحزاب المنتفعة من سلاح "حزب الله" والمنتسبين اليه الذين بات لسان حالهم حتى لو خربت الدنيا "السلاح باق والمش عاجبو يفل". اذا كان هدف "حزب الله" تحرير مزارع شبعا والدفاع عن سيادة لبنان من الأطماع الاسرائيلية، فمن الأجدى ان يحمي نفسه عبر المطالبة بإضافة عبارة "في كنف الدولة" مما يجعل معظم الافرقاء اللبنانيين معنيين بمقاومته وحروبه ومشاركين فيها، وعلى الأقل بالعلم والخبر. لم تحظ "القوات اللبنانية" رغم وجود الجيش السوري على الأراضي اللبنانية ببقائها كمقاومة في كنف الدولة رغم حساسيتها تجاهه وتاريخ الصراع بينها وبينه وسقوط مئات الشهداء الذين في المعارك معه. انها فرصة لا تفوّت "لحزب الله"، فهو لن يمرّ حتماً في تلك الطريق الوعرة التي مرّت بها "القوات" عندما سلّمت السلاح وكل ما يضمن لها الدفاع عن نفسها.

لقد أدركت "القوات" ان المقاومة ليست دبابات وجنازير واستعراضات خضر ومرقّطة، وليست قوّتها على المتاريس وبعدد الصواريخ، وكثر راهنوا على انتهائها بحلّها عسكرياً، لكنها خيّبت رهان هؤلاء رغم سجن قائدها وتعذيب شبابها وقتلهم أو تهجيرهم، فأثبتت ان الفكرة هي التي يجب ان تبقى حيّة وتنتصر وليس الوعاء. هكذا هو "حزب الله" الذي حقق انتصارات نوعيّة عسكرياً في مواجهته مع الاسرائيليين عندما كانوا يحتلون الأرض وحتى عام 2000، وتمكنّ من المساهمة في اخراجهم من الجنوب والبقاع الغربي، وقد ساعدته المتغيّرات الاقليميّة والدوليّة. ترى ما الذي يؤخّره للإنضمام إلى "كنف الدولة" الآن اذا لم تكن مرجعيّته واهدافه خارج الحدود اللبنانية؟ هذا ما دلّت عليه، ويا للأسف، الأحداث الأخيرة.

مقاومة "القوات اللبنانية" مستمرة، انها حركة ضمير لا تتوقف، انها قوّة تغيير، الحلم هو هو، الايمان هو هو، العزيمة هي هي، في المتراس أو في الصالون السياسي. والأهم انها حرة وتدرك معنى الحرية جيداً، وتدرك أكثر من ايّ وقت مضى حدود مقاومتها وهي ال 10452 كلم. أما "حزب الله" فيحق لنا أن نسأل… لكن من؟ حتماً لنسأل الفقيه الذين هم يفتخرون بانتمائهم إلى ولايته: أين حدود مقاومتهم؟

خبر عاجل