كتب نبيه البرجي في صحيفة "القبس": تسأل الأوساط السياسية، عشية زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عما يستطيع لبنان ان يقدم لـ"الضيف العزيز"، فالأحداث الإقليمية، وحيث احتمالات الانفجار، تبدو وقد تجاوزت القرار 1559 الذي يقضي بحل الميليشيات وسحب السلاح منها، والقرار 1701 الذي عزز الوجود الدولي على الخط الأزرق، ومنع السلاح في منطقة جنوب الليطاني، والقرار 1757 القاضي بإنشاء المحكمة الدولية.
الحاكم الفعلي للبنان
والأوساط إياها تقول إن القرارات التي في حقيبة كي – مون ومرافقه تيري رود – لارسن تجعل من الأمين العام الحاكم الفعلي للبنان، وهو الأمر الذي يخشاه كثير من اللبنانيين في الوقت الحاضر، لأن المنطقة تدخل أكثر فأكثر في المجهول، والخوف من أي عود ثقاب يشعل الساحة اللبنانية التي على تفاعل يومي مع أحداث المنطقة.
وتقول الأوساط السياسية ان قطبي الأزمة هما الآن سوريا وايران، الأولى تواجه مأزقا داخليا هائلا ينذر بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر، أو بتدخل اجنبي لا يعلم احد الى اين يمكن ان ينتهي، والثانية في ذروة الاستنفار بحجة الاستعداد للحظة التي تفرض فيها العقوبات النفطية، بينما المناورات العسكرية تتلاحق كما لو ان الحرب على الأبواب.
ولقد تردد ان هناك من اقترح على كي مون لكي تكون زيارته منتجة ان يلتقي الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، فالذين سيلتقيهم من المسؤولين محكومون بواقع معين، والسياسة اللبنانية تمارس على اساس المياومة، لارتباطها بكل ازمات وسيناريوات المنطقة، من مضيق هرمز الى مضيق الدردنيل.
أين المتهمون؟
واستطرادا، فماذا ستقدم أو تؤخر المحاكمة الغيابية او الوجاهية للمتهمين في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، بينما مصادر قوى 14 آذار تقول ان المتهمين الحقيقيين ليسوا في الضاحية الجنوبية، بل في دمشق وطهران، والعاصمتان احداهما في مواجهة ضارية مع الداخل، والأخرى في مواجهة ضارية مع الخارج. وتقول المصادر السياسية، إن رئيس الجمهورية ميشال سليمان سيكون واثقا جداً مما يقوله من أن "حزب الله" ملتزم كليا بأحكام القرار 1701، ومن دون ان يكون هناك اي اتجاه للمس بهذه الأحكام، أما مسألة المحكمة الدولية فلا تزال مثار أخذ ورد، حتى اذا لم يتم الاتفاق على موقف موحّد من الموضوع، فإن المسؤول الدولي سيستمع الى مطالبات تبدأ بالتشكيك الدستوري بالاتفاقية التي عقدت مع الامم المتحدة حول المحكمة ولا تنتهي بالكلام عن تسييسها.
النقطة الحساسة
لكن النقطة الحساسة التي يتوقع أن يثيرها كي مون، هي أن القرار الاتهامي الثاني قد يصدر قريباً، وان هذا القرار يضم اسماء هي اهم بكثير من الاسماء (الاربعة) التي وردت في القرار الاولى لدانيال بيلمار الذي لن يغادر مقره في محكمة لاهاي قبل ان يقول كل ما لديه.
والواقع أن المراجع اللبنانية تتلقى، ومنذ أشهر، تأكيدات بأن القرار الثاني سيصدر، وان إرجاء ذلك سببه عدم التأثير على المسار الذي أخذته ازمة التمويل في لبنان، وقد يؤجل الصدور، مرة اخرى ريثما يتم الاتفاق على التمديد الذي يفترض أن يجري قبل الأول من مارس المقبل، اي قبل انقضاء السنوات الثلاث المحددة للمحكمة.
تفسير البروتوكول
الوقت يضغط، ومن الآن بدأ الجدول يحتدم حول تفسير الفقرة الثانية من المادة 21 من البروتوكول المعقود بين لبنان والأمم المتحدة، التي نصت على الآتي: «بعد مضي ثلاث سنوات على بدء عمل المحكمة الخاصة، يقوم الطرفان (اي لبنان والامم المتحدة) بالتشاور مع مجلس الأمن، باستعرض ما تحرزه من تقدم في أعمالها، وإذا لم تكتمل أنشطة المحكمة في نهاية السنوات الثلاث، يمدد الاتفاق للسماح للمحكمة بإنجاز عملها، وذلك لمدة أو مدد إضافية يحددها الأمين العام بالتشاور مع الحكومة (اللبنانية) ومجلس الأمن. ماذا تعني كلمة "التشاور" وبعدما أوحى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بأن دور لبنان استشاري فقط، أي انه لا يقدّم ولا يؤخّر، فيما أطراف أخرى في حكومته ترى أن التشاور ملزم، وإلا لما كانت هناك ضرورة للنص، وأنه قبل البحث في التمديد يفترض تعديل البروتوكول المبرم ليتواءم مع الأحكام الدستورية والقانونية في البلاد.
برج بابل
ولكن ماذا لو قرر مجلس الامن التمديد دون الأخذ برأي لبنان؟ هذا قد تكون له انعكاساته الداخلية، لتبدو الخطوة كما لو أنها بمنزلة إجراء إرغامي على الدولة اللبنانية. الاتصالات تجري الآن كي لا يرى كي مون نفسه كما لو أنه وسط برج بابل، أي ان تتم بلورة تصور لبناني مشترك حيال المسائل التي يثيرها المسؤول الدولي. البعض ينصح بأن يوضع كي مون بين يدي رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي له مأخذه وطلباته الكثيرة من الأمم المتحدة التي لاتزال تتلكأ في مساعدة لبنان على ترسيم حدوده البحرية (المنطقة الاقتصادية الخالصة) كي يتجنب المواجهة الحتمية مع إسرائيل لدى المباشرة بالتنقيب عن النفط والغاز.
بمعنى آخر، لا أحد سوى بري يستطيع أن يخضع كي مون لنوع من التنويم المغناطيسي، فالأزمة ليست في لبنان، بل في مكان آخر أو أمكنة أخرى، أما الملفات الداخلية فهي تفصيل لأن المنطقة كلها تلعب على حافة الهاوية.