
ما وضعه وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه في عهدة المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم خلال زيارته إلى بيروت قبل أيام، من معطيات تملكها بلاده حول مسار الأمور على الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، خطير جداً. ليست هذه المرة الأولى التي تنقل الدبلوماسية الفرنسية مخاوفها إلى المسؤولين عندنا من قلقها إزاء التصعيد في الجنوب والمسار الانحداري للوضع نحو منزلقات خطرة، لكن سيجورنيه كان ربما أشد وضوحاً في زيارته الأخيرة حيال مخاوف باريس الجدية من عملية عسكرية إسرائيلية في لبنان، ما لم يتم ترتيب الوضع انطلاقاً من “وجوب أن يُطبَّق القرار 1701 كاملاً”، وأن “على كل الأطراف أن تسمح لليونيفيل بالقيام بمهامها كاملة”، مؤكداً أن “فرنسا ستستمر بدعم الجيش اللبناني إلى جانب شركائها والعودة للاستقرار تتطلب إعادة انتشاره في الجنوب”.
نائب رئيس التحرير في “النهار” المحلل السياسي نبيل بو منصف، يشدد على أن “جولة سيجورنيه الجديدة تنطلق من تنامي القلق والخوف لدى الفرنسيين من عملية إسرائيلية في لبنان. في حين إن بعض المسؤولين عندنا ينظرون دائماً إلى الوساطة الفرنسية على أنها مجرد تنافس مع الأميركيين وأن الفرنسيين لا يريدون التخلّي عن دورهم في لبنان”، لافتاً إلى أن “الفريق الممانع بالذات لا يخجل أبداً من القول إنه يتحدث مع الأميركيين ولا يتحدث مع الفرنسيين، لأن الورقة في يد واشنطن، كما يقول”.
بو منصف يعرب عن أسفه عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، لأن هناك “استهانة خطيرة جداً بالبيانات والمعطيات التي ينقلها الفرنسيون وآخرهم سيجورنيه للمسؤولين في لبنان، لأنها جدية جداً”، مشيراً إلى أن “التحذير من عملية إسرائيلية في لبنان على لسان الفرنسيين والذي أكد عليه سيجورنيه بالأمس، يكتسب جدية عالية جداً، وهذا ما يدفعهم إلى التحرك أكثر فأكثر”.
يضيف: “بغض النظر عن لعبة المصالح والتسابق والتنافس فهذا أمر موجود دائماً بين الدول، لكن بين فرنسا وأميركا في لبنان هناك غالباً مشتركات بمحطات كبيرة جداً، أهمها كان الاتفاق على القرار 1559 إذ كان الفرنسيون والأميركيون الحاضنة له معاً. بالتالي، التحذير الذي يواظب عليه الفرنسيون وردَّده سيجورنيه لكافة المسؤولين الذين التقاهم من عملية عسكرية إسرائيلية في لبنان، هو المحرك الأساسي الجدي لزيارته بالأمس إلى بيروت”.
بو منصف يرى، أن “الطرح الذي قدَّمه سيجورنيه، ليس فوق العادة، بل هو تنفيذ القرار 1701 لكن بتصرّف في مسألة الآلية. فالقرار 1701 لا يتحدث عن منطقة خالية من أي سلاح ومسلحين بعرض 10 كيلومترات تحديداً من الحدود الجنوبية، إنما يتحدث عن منطقة جنوب الليطاني بالكامل منزوعة السلاح ولا ينتشر فيها إلا الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب “يونيفيل”. علماً أن هذا ما كان قائماً، مبدئياً من حيث الشكل على الأقل، قبل 8 تشرين الأول الماضي تاريخ فتح “الحزب” المواجهة مع إسرائيل من جديد”.
كما يوضح، أن “ما يطرحه الفرنسيون لناحية القرار 1701 بتصرّف وانطلاقاً من أننا نريد تنفيذ الـ1701 من جديد، هو أن نبدأ على الأقل بتبريد جبهة الجنوب بترتيبات يوافق عليها لبنان وبالتالي “الحزب”، وإسرائيل من الجهة المقابلة، بإنكفاء “الحزب” 10 كيلومترات عن الحدود وملء هذه البقعة بالكامل بالجيش وقوات يونيفيل، بالإضافة إلى موافقة إسرائيل على وقف اعتداءاتها وحتى التحليق الجوي”، لافتاً إلى أن “الفرنسيين يعملون وفق قاعدة الخطوة خطوة، ففي مرحلة تالية نذهب إلى خطوات أخرى ونصل إلى ترسيم الحدود البرية وبتّ الخلاف الذي لا يزال قائماً بين لبنان وإسرائيل حول الـ13 نقطة الباقية لترسيم الحدود البرية”.
بو منصف، يعتبر أن هذا “الطرح الذي حمله سيجورنيه قد يبدو واقعياً في ظاهره، بظل عدم إمكانية وقف الحرب دفعة واحدة من دون إقامة ترتيبات واقعية. لكن من الناحية المبدئية، يمكن القول إن الفرنسيين بالذات لا يلتزمون هنا بالقرار 1701 بالكامل، لأن الـ1701 يتحدث حرفياً عن كامل منطقة جنوب الليطاني بشكل واضح وصريح، لكنهم يذهبون إلى منحى واقعي إلى حدٍّ ما علَّ وعسى يمكنهم إقناع الأطراف بهذا الطرح”.
حول حظوظ نجاح الطرح الفرنسي ومهمة سيجورنيه، يعرب بو منصف عن اعتقاده، بأن “الفرنسيين لن يكتب لهم التوفيق في هذه المحاولة. لأن لا “الحزب” مستعد لوقف المواجهة قبل انتهاء الوضع في غزة، وهذا ما يقوله كل يوم على لسان مسؤوليه كافة كردٍّ على الفرنسيين وعلى غيرهم. كذلك في الجهة المقابلة، إسرائيل لن توافق، على الأقل على وقف استطلاعاتها الجوية فوق الأراضي اللبنانية، هذا في حال وافقت على انسحاب “الحزب” لمسافة 10 كيلومترات فقط عن الحدود، لكنها لن توافق على وقف طلعاتها الجوية اليومية فوق لبنان”.
برأي بو منصف، أن “الفرنسيين يعملون على مدى طويل لا على مدى قصير. لذلك بانتظار وقف الحرب في غزة وبدء الكلام من جديد، إذ يمكن عندها أن يكون الإسرائيليون و”الحزب” بوارد الكلام بشيء ما عمليّ أكثر. عندها سنرى هل يمشي “الحزب” مع الأميركيين أو مع الفرنسيين؟ أم هل سيوحِّد الأميركيون والفرنسيون وجهة نظرهم بطريقة ما ويخوضوا بجهد مشترك معاً؟”.
“في المحصلة، نحن لسنا إزاء نجاح أي جهد دبلوماسي الآن يؤدي إلى وقف المواجهات في الجنوب. الأمور ستبقى على ما هي عليه، حرب استنزاف إلى حين جلاء ما سيجري في غزة. لذلك، لننتظر خلال الـ48 ساعة المقبلة ما سيحصل لناحية مصير المبادرة التي تبدو جدية هذه المرة والتي يقودها الأميركيون والمصريون بمسألة غزة. الموضوع هنا”، يختم بو منصف.
