.jpg)
لم تتداعَ القوى اللبنانية إلى اللقاء التضامني الوطني في معراب، السبت الفائت، حُبًّا بعقد اللقاءات، بل لأنّ ما يجمعها هو الهمّ الوطني الذي يُقلق الأغلبية العظمى من اللبنانيّين، لأنّ نار الحروب والأزمات والويلات قد حرقتهم، وهذا بغض النظر عن مكابرة من هنا وحسابات من هناك. إنّ ما اتّفق عليه كّل مَن شارك في هذا اللقاء وما تُرجم بشكل واضح في المقررات، ليس سوى ترجمةً لما أجمع عليه الشعب اللبناني في دستورهم والتزامهم الشرعية الدولية واحترامهم لسيادة بلدهم، وبالتالي هي لغة وطنية لبنانية دون أي غبار، على عكس “التعليمة” التي روّجها إعلام الممانعة، ويا للأسف تبنّاها الصحافي محمد بركات في مقاله “لُغة معراب: إسرائيل مظلومة”، ضمن موقع “أساس ميديا”.
إنّ السقطة الكبرى التي وقع فيها الصحافي بركات، هي اعتباره أنّ لغة بيان المقررات الذي تلاه النائب وضاح الصادق، لا تصلح لتكون جامعة، فما هو غير الجامع يالتحديد؟
هل التنديد بغياب الدولة واستباحة السيادة وزجّ اللبنانيين بالنار وحماية المجرمين؟
هل الاصرار على استعادة الدولة المخطوفة المرتهنة إلى قرار آحادي، لغة لا تصلح أن تكون جامعة؟ أو المطالبة بتطبيق الدستور ورفض تعايش السلاحين في مناخ واحد تحت ذريعة “المقاومة”، هو ما ليس جامعًا؟
ربّما ما ذُكِرَ آنِفًا لا يمكن لفئة من اللبنانيين قرّرت عن سابق ارتباط بمشروع خارجي أن توافق عليه، لكن هذا لا يعني بأنّ هذه اللغة، أي لغة الدستور اللبناني التي يُفترض أن تكون قد أجمعت عليها المكوّنات اللبنانية، ليست بلغة جامعة.
أمّا الكلام عن “تجهيل الفاعل” أو تحويل المجرم إلى “حمل وديع” ليس سوى تأويلًا في غير مكانه ومحاولة لتفريغ الوقائع من جوهرها وتغطية أفعال “الحزب”، وهو تمامًا ما يلجأ إليه الأخير، بوجه كلّ معارضيه، عند كل رفض لسياساته الآحادية وكلّ تنديد بجرّه لبنان إلى حروب عبثيّة، فلا خِلاف بتاتًا على إجرام إسرائيل بحقّ غزة ولبنان، والكلام الذي ورد في بيان المقررات عن “قتل الجنوبيّين وتهجيرهم وإتلاف مواسمهم وهدم منازلهم”، واضح وضوح الشمس، وهو بالأصل ما لا يحتاج إلى لقاء من هناك وهناك، لأنّه لغة لبنانية واحدة، لكن الخِلاف-الاختلاف بين اللبنانيّين، هو حول الخطوة الممكن اعتمادها للدفاع عن لبنان وهو ما استوجب اللقاء.
إنّ الأخلاقية السياسية والجرأة في تفنيد الحقائق تُحتّم قول الأمور كما هي، والاعتراف بأنّ ما يتعرّض له لبنان والجنوب ضمنًا، هو نتيجة ربط لبنان بالمشروع الايراني، وهو عمليًّا وباعتراف أمين عام “الحزب” نتيجة ساحة “المساندة” أو “الاشغال” التي أطلقها في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، وهنا تكمن المشكلة، وهي ليست المرّة الأولى التي يتحمّل فيها لبنان نتائج إقحامه بحروب عبثيّة، فحرب تموز ٢٠٠٦، مِثالًا لا حصرًا، ما زالت تشهد على قرار متهوّر انتهى بـ”لو كنت أعلم”، وإطلاق صرخة لبنانية في هذا المجال، ليس “ملاطفة لإسرائيل” ولا مجاهرة بمظلوميّتها كما ادّعى الكاتب، بل إشارة إلى الجرح اللبناني النازف عبر القفز فوق كلّ شمّاعات الممانعة التي تُطلَق لعدم الاضاءة على المظلوميّة اللبنانية.
إنّ الإهانة الكبرى التي تطال الجنوبيّين، هي في كلّ مَن يُساهم بحشرهم أكثر فأكثر تحت وابل “لغة الحزب”، عبر تخوين كلّ مَن يُجاهر بوجعهم، وهم غير القادرين عن التعبير عنه، هم الذين كلّما ظنّوا أنّ الاستقرار دقّ بابهم، أدخلهم مَن صادر أمنهم بمعترك دموي من العبثيّة، لا ينتهي إلّا على حسابهم.
المؤلم، أنّ البعض يرفض قراءة الوقائع، بأنّ التاريخ اللبناني شاهد على أنّ أكبر استقرار عايشه هذا الوطن والجنوب تحديدًا هو يوم كانت الشرعية هي الحاكم والحكم الأوحد، بينما استفحلت الويلات في عهد “الحزب”، الذي شكّل الذريعة الأنجع لِمَن يتربّص باللبنانيّين.
الأهم من كلّ هذا هو أن نطرح كلبنانيّين على أنفسنا السؤال الآتي: ما هو المطلوب؟
هل نُريد الوصول إلى نتيجة مجدية أو البقاء في مستنقع الحروب للقول “نحن نقاتل”؟
إنّ أقلّ مرحلة تضمّنت اشتباكًا وشهدت أعلى استقرار هي مرحلة “اتفاق الهدنة”، وهو ما رفع اللقاء لواءه، عبر المطالبة بتطبيق القرار الدولي ١٧٠١ كاملًا، والذي ينصّ بمتنه على الدستور والشرعية المحلّيّة كما قرارات الشرّعيّة الدوليّة. لتسقط لغة التخوين، لقد اكتوى الشعب اللبناني من اللغة الخشبية، التي لا تصبّ إلّا في خدمة مَن يأخذ اللبنانيّين وقودًا لمشاريعه.
