#adsense

«جدَل عقيم» حول تعديل الاتّفاقية بين لبنان والمحكمة

حجم الخط

أحيت الزيارة التي بدأها الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون إلى بيروت اليوم الحديث عن المحكمة الخاصة بلبنان على رغم فقدان أيّة إشارة إليها في جدول أعمال لقاءاته. لكنّ ذلك لن يمنع من أن يتناول اللبنانيّون هذا الملفّ من باب قرب التجديد لبروتوكول التعاون نهاية آذار المقبل.
 
منذ أن انطلقت أعمال المحكمة الخاصة بلبنان في 30 آذار 2008 إنفاذاً للمادة 19 من الاتّفاق الموقّع عام 2006 بين الامم المتحدة ولبنان، لم يتوقّف النقاش حول الصيغة التي انتقلت فيها الأعمال من لجنة التحقيق الدولية الى المحكمة الخاصة بلبنان ونظامها الداخلي، بالإضافة الى سلسلة البروتوكولات المعقودة بين وزير العدل والنيابة العامّة التمييزيّة وأجهزة المحكمة المختلفة وصولاً إلى قواعد الإثبات والإجراء في سباق تجاوزته المحكمة بما حقّقته حتى اليوم وصولا الى صدور القرارات الأربعة الاتّهامية وتعثُّر توقيف المطلوبين الأربعة الى المحاكمة.

على هذه الخلفيّات، وتزامُناً مع الجدل الذي قام حول تمويل حصّة لبنان في المحكمة عن العام 2011 طيلة الأشهر التي سبقت التمويل من مصارف لبنان عبر حساب الهيئة العليا للإغاثة تجدّد الجدل حول ما سُمّي بالتجديد للاتّفاقية بمرور ثلاث سنوات على بدء عمل المحكمة في 30 آذار المقبل من دون أن ينتهي، لا بل فقد جاءت زيارة الأمين العالم للأمم المتحدة الى بيروت لترفع من نسبة الزخم الذي رافق جدلاً عقيما تناوَل هذا الملفّ وسط استمرار وجهات النظر المتناقضة.

وفي مواجهة الداعين الى إعادة النظر بالاتّفاقية وبروتوكولات التعاون بين لبنان والمحكمة والحديث المتنامي عن دور لكلّ من رئيس الجمهورية في التوقيع على أيّ معاهدة تعاون بين لبنان والخارج، ووزير العدل ومجلس النوّاب في إقرارها، يبدو أنّ هناك نظرية أخرى مناقضة لا تلحظ أيّ دور للمسؤولين اللبنانيين في هذه الخطوة، لا بل تعتبر أنّ الأمور محسومة ولا رأي للبنان أو لمجلس الأمن الدولي يتعدّى الاستشارة إذا طلبها الأمين العام للأمم المتّحدة متى حان أوان القرار.

المادة 21 حاسمة

ويقول أصحاب الرأي وهم من المحامين والقانونيّين الكبار الذين يواكبون عمل المحكمة كلٌّ من زاوية ما، إنّ الأمر محسوم والقرار بيَد الأمين العام للأمم المتّحدة دون غيره، بالعودة الى "الفقرة الثانية من المادة 21 من اتّفاق إنشاء المحكمة بين لبنان والأمم المتّحدة"

(آذار 2006) والتي تنصّ على الآتي «بعد مضيّ 3 أعوام على بدء عمل المحكمة يقوم الطرفان بالتشاور مع مجلس الأمن باستعراض ما تحرزه من تقدّم في أعمالها. وإذا لم تكتمل أنشطة المحكمة في نهاية ثلاث سنوات، يُمدّد الاتّفاق للسماح للمحكمة بإنجاز عملها، وذلك لمدّة (أو مُدَد) إضافيّة يحدّدها الأمين العام بالتشاور مع الحكومة ومجلس الأمن".

وعليه، يقول أصحاب هذه النظرية إنّ التمديد مرهون بأمور عدّة للبَتّ به ومنها "مدى تقدّم العمل" وأهمّية السماح لها بـ"إنجاز عملها" بالإضافة الى أنّ القرار موقوف على الأمين العام للأمم المتّحدة بالتشاور مع الحكومة اللبنانية ومجلس الأمن، ولو كان للحكومة اللبنانيّة أو مجلس الأمن "رأي ملزم" في هذا الأمر لقال النص

بـ"موافقة الطرفين" وليس بـ"التشاور" معهما فحسب.

أمّا والحال التي تعيشها المحكمة الخاصة بلبنان فواضح أنّها لم تنهِ مهامّها بعد ولم تنجز عملها، ولذلك فالتمديد سيكون "واجب الوجوب" رفض لبنان ذلك أم لا فالأمر سيّان.

التمييز بين الاتّفاقيّة والبروتوكولات

وبالإضافة الى هذه العناصر المتينة التي ترجّح كفّة هذا الرأي ثمّة ما يلفت اليه رجال القانون بالتمييز بين الاتّفاقية وبروتوكولات التعاون، ويقولون إنّ لا صفة لأحد في هذا النقاش الدائر اليوم حول الاتّفاقية على الساحة السياسية في لبنان سوى أنّه "كلام في السياسة" لا يمتّ بصِلة الى القانون وما يقول به "اتّفاق إنشاء المحكمة"، باستثناء الأمين العام الذي له دور محصور بالأمور الإجرائيّة دون غيرها.

وبالنسبة الى برتوكولات التعاون فقد لفت المعنيون بهذا الرأي الى أنّها باتت في شكلها ومضمونها والأهداف المرجوّة منها دون مرتبة الاتّفاقية التي قامت بموجبها المحكمة والفصل السابع أيضاً. وهي من الأمور التنظيمية والتنفيذية المحصورة بمضمون كلّ واحد منها. فالبرتوكول بين وزير العدل ورئيس مكتب الدفاع يحدّد أصول الدفاع عن مصالح الضحايا والمتضرّرين، والآخر مع مدّعي العام المحكمة يتّصل بأصول التوقيفات والتبليغات، والثالث يتّصل بنوع العلاقة بين النيابة العامّة التمييزيّة والمدّعي العام لجهة تأمين مكتب لمندوبيه في لبنان وتوفير الأمن والسلامة لممثليه ووسائل الاتّصال بينهم وبين المسؤولين اللبنانيّين بالإضافة الى الحفاظ على السرّية التامّة في تحرّكاتهم واستقصاءاتهم إلى ما هنالك من الإجراءات التي يضعها البعض في خانة التنازل عن السيادة اللبنانيّة وآخرون يرونها ضروريّة لإتمام مهمّة المحكمة في ظلّ عجز القضاء اللبناني عن النظر بهذه الجريمة وفي ضوء تنازله عن صلاحياته في الجرائم المشمولة بعمل المحكمة حصراً.

أخطاء لا تُغتفر

وفي الخلاصة، ومن دون الغوص في الكثير من التفاصيل والجدل العقيم حول ما يُسمّى بـ"ملف شهود الزور" سواء كانوا موجودين أم لا، ينتهي أصحاب الرأي الى توصية بتَرك الأمور القانونيّة والدستورية الى المراجع المختصّة مخافة تمادي البعض في أخطاء لا تُغتفر تُرتكب يوميّا من دون أن يكون هناك من يحاسب أو ينهى عن الاستمرار بها.

ولذلك، يختم القانونيّون بالقول إنّ المسّ بأيّ بند من بنود الاتّفاقيّة من دون اللجوء الى الأصول المتّفَق عليها قد تجاوزه الزمن. مع الإشارة الى اعتبار أنّ أيّ تعديل لا تقرّ به المحكمة في ما يعنيها ومجلس الأمن في ما يعنيه قد يفتح الباب امام نقاش قد يتناول قرارات دولية أخرى تشبه القرار 1757 الخاص بإنشاء المحكمة أو تلك التي قامت بموجبها محاكم دوليّة أخرى على رغم التمايز بين المحكمة الخاصة بلبنان وهذه المحاكم. أمّا الحديث عن كلّ هذه الأمور من الباب السياسي فهو مسموح وقد يطول الجدل من دون نتيجة، وهذا ما هو حاصل اليوم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل