#dfp #adsense

الملفات الوطنية والملفات الدعائية

حجم الخط

الملفات الوطنية والملفات الدعائية

دخلنا في المرحلة التي تُسمّى في الحروب الجدّية والعبثية مرحلة الحيرة أو الخيبة والكآبة. وهي المرحلة التي تعقب في العادة الهياجات العسكرية والأمنية والسياسية. وفي العادة تعمد الأطراف الهامشية لتجديد الاهتمام بها إلى إطلاق وفعل أمور غير عادية، كأنما تريد العودة للأوضاع السابقة. ومن هذا المنزع التفجير في طرابلس، ضد المدينة، وضد الجيش اللبناني.

لكن المشكلة الحقيقية تظهر في العادة لدى الأطراف الرئيسية التي كانت في صلب الهياج والثوران. ذلك ان الايديولوجيات وأشباهها لا تعرف الراحة، ولا تمهل جمهورها لكي يستريح أو يسترخي خشية أن يعرض عنها أو أن يعتبر المعركة منتهية.

ومن هذا الباب البقاء في القنوات التلفزيونية للتهييج في ثلاثة أمور: الفساد والتوطين والانتخابات. والفساد ملف يستحق البحث في سياق أي مشروع إصلاحي، أما الحديث عنه الآن، فيتم في سياقات ماضية استخدمتها الإدارة السورية للبنان لإفشال مشروع الرئيس الحريري للإعمار والنهوض. وقد ظل هؤلاء ينفخون في تلك القربة المخروقة حتى هبّت في وجوههم عاصفة بنك المدينة فاحتاروا كيف يسترون وجوههم وأعقابهم من شواظها. أما الذين يثيرون الأمر الآن فلديهم نفس الأحقاد السابقة، ولديهم بالإضافة لذلك سمعتهم هم، والتي لم ينسها الناس، لكن كأنما أرادوا الاستيثاق من تذكيرهم بتلك التجاوزات نفسها! ذلك ان خيالهم في زمن الحيرة هذه، ما اتسع لغير الماضي كأنما لسان حالهم: عليّ وعلى أعدائي!.

أما التوطين فهو ملف حسمه العرب، وحسمه الدستور اللبناني وليس هناك مستجدات تستحق المراجعة من أجلها. والذين يثيرونه يعتقدون انهم يكسبون بعض الشعبية الطائفية. ويعتقدون انهم يثيرون بعض الأحقاد المفيدة!، والدليل على ذلك انهم يقرنون تلك الإثارة بأمرين اثنين: إيجاد وظيفة جديدة وباقية لسلاح "حزب الله"، وإعادة اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل. وليس للتوطين أنصار بالداخل اللبناني ليمكن استبدال اللبنانيين بالفلسطينيين مثلاً، كما أنهم لا يملكون سلاح الحزب لاستخدامه في حرب مخيمات جديدة. ولذا يتخذ النقاش المعاد أبعاداً كيدية وعنصرية كأنما تتجه الهوية اللبنانية الخالدة نحو الاكتمال، ولا يحول دون اكتمالها غير هذا الملف بالذات. ولا أعتقد ان هناك من تستثيره هذه الملفات الوهمية، ولا هذه الاصطناعات. لكن من يخبر المتصدرين على التلفزيون انهم بذلك إنما يحتقرون أنفسهم وإنسانيتهم وعقول الناس؟!. وحرية التعبير لا غبار عليها، لكن لا يجوز أن يبقى الفلسطينيون ولا أي فئة أخرى مكسر عصا من أجل مكاسب انتخابية أو طائفية موهومة، ولا للدعوة إلى حرب مخيمات جديدة تزيد الدعوة إليها من الاصطفاف والتردّي الداخلي.

وتبقى قصة الانتخابات وهي قريبة والحديث فيها وعنها مسوغ ولا غبار عليه. لكننا نعلم ان قانون الانتخابات أقر في ظروف معينة تصنع فدراليات ولا تصنع تضامناً أو وحدة. والفدراليات المصنوعة طائفية أساساً. ثم يقال في النقاش الآن انه في هذه الدائرة أو تلك ما يزال هناك اختلاط يحول دون التمثيل الحقيقي، وهذا على مشارف مناقشة القانون في مجلس النواب، لكأنما يراد ان لا يراعى أي بند إصلاحي يدخل بعض التحسين على المعالم الكبرى للقانون العتيد!.

نحن نخرج ولا نخرج من ساحة اختلط فيها الحابل بالنابل وأسهم فيها أكثر من طرف اقليمي ودولي. ولا يجوز لمصلحة الوطن والمواطنين أن تظل وسائل الاعلام مشتعلة بعد ان نفد حطب الحرائق، وبقيت بقايا من الجمر تحت الرماد. الروائي الالماني اريا ريمارك كتب رواية بعنوان: "كل شيء هادئ في الميدان الغربي" تروي قصة مقتل جندي بعد وقف اطلاق النار. والمأساة عندنا ان الذين سقطوا بعد وقف اطلاق النار يكادون يزيدون في العدد على الذين سقطوا في حمأة المعارك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل