#adsense

خاص ـ تصويب الحوار

حجم الخط

كلمة “حوار” في معجم “تاج العروس” تعني “تراجع الكلام”، وفي معجم “لسان العرب” “يتحاورون” تعني “يتراجعون الكلام”، فالحوار إذاً هو الرجوع عن الشيء، والارتداد عنه.

امّا في لبنان، فالحوار الرئاسي الذي يدعو اليه رئيس مجلس النواب نبيه برّي هو تمسّك الثنائي الشيعي بترشيح فرنجية و”عدم الرجوع عنه او الارتداد عنه” لصالح مرشح توافقي ثالث، فيما المعارضة المُتهمّة برفض الحوار تطبّق حرفياً ما جاء في تعريف كلمة “حوار” لجهة اعلانها مراراً وتكراراً استعدادها للتخلي عن مرشحها مثنى وثلاث ورباع، لصالح مرشحٍ توافقي ثالث.

واضحٌ إذاً أن من يدعو للحوار ظاهرياً، هو من ينسف جوهر الحوار ومفهومه وتعريفه في الحقيقة، وواضحٌ ايضاً ان من يرفض “الحوار” المُحوّر والمُجوّف من مضمونه الفعلي، هو من يلتزم في الحقيقة بكل موجبات الحوار الناجح والسليم.

ومن اهم اسس الحوار الناجح، بحسب الدكتور ايمن هاروش في مقاله بعنوان “حوار الشيعة في زمن السيف”، المنشور على موقع اكاديمية مكة المكرمة للعلوم الشرعية، هو “وجود مرجعية واحدة متفق عليها بين المتحاورين حتى يكون كلام كل واحد ملزماً للاخر، واذا لم توجد مرجعية فلا إلزام في قول لآخر”.

امّا في لبنان، فالرئيس برّي الذي يُنصّب نفسه مرجعيةً وحيدة للحوار فيه “الخصام وهو الخصم والحكم”، وتالياً لا اتفاق على مرجعيته بين المتحاورين المفترضين، ليس لأن الفريق الآخر معترض على شخصه الكريم او على موقعه كرئيس مجلس النواب، إنما لأن الرئيس برّي بذاته قد اعلن انحيازه لطرفٍ دون آخر، وانضمامه الى محور دون آخر، وتمسّكه بمرشحٍ وحيد دون آخر، وذلك كلّه على حساب موقع الحكم او المرجعية الذي يفترض به ان يكونه للدعوة الى اي حوارٍ حقيقي وهادف.

لقد جاءت المادة 49 من الدستور لتضفي توافقية تامة على انتخاب رئيس الجمهورية، من خلال تشديدها على تأمين نصاب ثلثي مجلس النواب في الدورة الأولى، غير ان العرف الدستوري جاء اكثر تشدداً، بحيث انه درجت العادة على الاّ يكون نصاب الثلثين حِكراً على الدورة الأولى فحسب بل على كل دورات الانتخاب التي تلي.

لقد فرضت الاعتبارات الطائفية والسياسية في لبنان اعتماد نصاب الثلثين في انتخابات رئاسة الجمهورية للحوؤل دون تمكّن طائفة بعينها من التفرّد باختيار رئيس الجمهورية، بخلاف ما هو حاصل اليوم لجهة محاولة الطائفة الشيعية، ممثلّةً بالثنائي الشيعي، التفرّد باختيار رئيس الجمهورية، بمعزل عن ارادة الطائفة المسيحية اولاً وبقية الطوائف ثانياً، بما ينسف المادة 49 من الدستور والأعراف الملحقة بها، ومبدأ التوافقية من اساسه.

علماً ان هذا الموقع مخصص اصلاً للطائفة المسيحية لا للطائفة الشيعية، وعلماً انه، بحسب التوافقية اللبنانية والاعراف الدستورية الناشئة عنها، لا يحق للطائفة الشيعية او لأي طائفة ثانية وضع فيتو على خيار الإجماع او شبه الاجماع الرئاسي المسيحي المتمثّل في التوافق على المرشح جهاد ازعور، بل جلّ ما يحق للطائفة الشيعية او لسواها القيام به، هو إمّا احترام ارادة الغالبية الساحقة المسيحية واسقاط الفيتو عن ترشيح مرشح الاجماع المسيحي، او التوافق مع الغالبية المسيحية وسواها، على مرشح ثالث غير ازعور وغير فرنجية.

هذا هو مسار الحوار الصادق والهادف الذي يتكامل مع مندرجات الدستور والاعراف والديموقراطية التوافقية، وبالتحديد مع روحية المادة 49 من الدستور، فكل حوار لا يهدف في النهاية الى تحقيق التوافق هو حوار لا طائل منه بالأساس. وفي حالتنا اللبنانية الداعي للحوار هو نفسه من يرفض التوافق على مرشح ثالث مسبقاً.

ولو سلمّنا جدلاً ان تعطيل نصاب الانتخاب، وتالياً تعطيل جلسات الانتخاب، هو حق مشروع للطائفة الشيعية وسواها، نصّت عليه ضمنياً المادة 49 من خلال تشديدها على نصاب الثلثين، غير ان هذا الحق يقف عند حدود منع وصول مرشح معيّن، لا فرض مرشّحٍ آخر بقوة هذا التعطيل.

وبالتالي فإن الهدفية النهائية لهذا الحق التعطيلي من خلال الامعان في الانسحاب من جلسات الانتخاب، تصّب في خانة التوافق على مرشح ثالث، وإلا استمر الفراغ الى ما لا نهاية، وهي الهدفية ذاتها التي يُفترض بأي حوارٍ جاد ان يبلغها.

من هنا، فإن المادة 49 تلعب بحد ذاتها دور طاولة حوارٍ دستورية تبغي الوصول الى مرشح ثالث توافقي، بقوة موازين القوى النيابية، وبقوة الفيتو الطائفي التعطيلي، بدون الحاجة الى طاولة حوار فولكلورية.

فإذا اخفقت المادة 49 في تحقيق هذا الأمر، عبر امعان البعض في نهج تعطيل جلسات الانتخاب من خلال التمسك بمرشح واحد والانسحاب من جلسات الانتخاب، ومن دون إبداء اي مرونة تجاه امكانية طرح مرشح ثالث تسهيلاً لعملية الانتخاب، فإن اي جلسة حوار تُعقد بالروحية ذاتها ستصل الى نتيجة الفراغ ذاتها، وبالتالي فلا داعي لانعقاد هكذا حوار بالأساس.

من هنا، فالعرف الذي يعتقد البعض ان الرئيس نبيه بري يسعى لتكريسه عبر الزامية عقد طاولة حوار برئاسته تسبق وصول اي رئيس جمهورية تسووي الى موقعه، هو بالحقيقة عرف مُكرّس في المادة 49 من خلال تشديدها على الزامية نصاب الثلثين الجامع، من دون الحاجة الى طاولات حوار بالاساس ولا الى دور رئيس مجلس النواب الممثل اصلاً داخل البرلمان بموازين القوى النيابية التي جاءت به بالاساس، غير ان ما يريده رئيس مجلس النواب بالفعل، ليس وصول مرشح توافقي تحت اشرافه، بل فرض مرشح طرف غير توافقي على الباقين، تحت طائلة تحميل كل المكونات النيابية بالتساوي مسؤولية اخفاق الحوار والوصول الى الفراغ الرئاسي، والتعمية عن امعان فريقه بتعطيل جلسات الانتخاب، ومساواة الجاني والضحية في جرم التعطيل امام الرأي العام العربي والدولي، والموفدين العرب والأجانب.

في السياق ذاته، اذا اراد رئيس مجلس النواب ان يُكرّس نفسه مرجعية لبنانية جامعة وممراً الزامياً لوصول اي مرشح رئاسي الى موقعه، فهذا يعني تراجع موقع رئاسة الجمهورية عرفياً

امام موقع رئاسة مجلس النواب، وتحوّل رئاسة الجمهورية الى رئاسة فخرية والنظام اللبناني الى نظام مجلسي لا نظام توافقي، بحيث تكون السلطة التنفيذية تابعة لسلطة البرلمان، وهذا ما يسعى الثنائي لتحقيقه فعلياً بقوة الأمر الواقع، بدءاً بالحكومة التي نجح بالقبض عليها، وصولاً الى موقع رئاسة الجمهورية، فتكون بذلك كل السلطات الدستورية قد وقعت تحت سلطة البرلمان الذي يسعى الثنائي لاختصاره ايضاً بشخص رئيس هذا البرلمان دون سواه من التكتلات النيابية.

واذا اراد رئيس مجلس النواب تكريس نفسه مرجعية وطنية تتقدّم على موقع رئاسة الجمهورية كما هو واضح من خلال محاولة فرض مرشح مسيحي اقلوي على الغالبية الشعبية والنيابية المسيحية في نظامٍ توافقي يكرّس للمسيحيين الكلمة الأولى في اختيار ممثليهم داخل هرمية السلطة بحسب صيغة 43؛ ومن خلال اختصاره مجلس النواب بشخصه الكريم عبر اقفال المجلس وفتحه بحسب مقتضيات الثنائي؛ ومن خلال تكريس اعرافٍ “حوارية” غير منطقية لا تهدف لوصول مرشح توافقي انما مرشحٍ طرف يتناقض وصوله مع مبدأ الحوار وهدفيته من اساسهما….

اذا اراد رئيس مجلس النواب اذاً تكريس نفسه هذه المرجعية، فهذا يُحتّم عليه ان يتحوّل بدوره، واسوةً برئيس الجمهورية الى “رمز وحدة الوطن”، خصوصاً ان النائب بدوره “يمثّل الأمة جمعاء”، وهذا يُحتّم الا يكون نصاب جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب هو الغالبية المطلقة في الدورة الأولى(اي النصف زائد 1) والغالبية النسبية في الدورة التالية (اي نصف عدد النواب الحاضرين زائد واحد)، كما تنص على ذلك المادة 44 من الدستور، وإنما بنصاب الثلثين على غرار رئيس الجمهورية.

فرئيس مجلس النواب الذي يمكنه الوصول الى منصبه بنصاب جلسة مؤلف من 65 نائباً فحسب، وهو الذي وصل اصلاً الى موقعه بهذا العدد من النواب لا غير في الدورة الأخيرة، وبمعزلٍ عن ارادة قسم كبير جداً من اللبنانيين، لا يمكنه ان يمنح لنفسه ادواراً مرجعية او عرفية تتعدّى دور رئيس مجلس النواب دستورياً من جهة، وتتعارض مع طبيعة النظام التوافقي اللبناني من جهة ثانية، وتتخطّى محدودية نصاب جلسة انتخابه والأصوات الحاصل عليها التي تنتقص من شمولية تمثيله كل المكونات اللبنانية، ولا تخولّه طرح نفسه مرجعية حوارية جامعة فيما لم يصوّت له 63 نائباً.

وبحسب الفقيه الدستوري زهير شكر “ان انتخاب رئيسٍ للجمهورية بنتيجة اقتراعٍ جارٍ على اساس النصاب العادي، لن يعبّر عن تطلعات غالبية الشعب اللبناني، بل اقليّة منه”، وهذا ما ينطبق بطبيعة الحال على نصاب جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب بشكلٍ عام، وعدد الأصوات التي نالها الرئيس نبيه برّي بالتحديد.

واذا كانت المادة 49 من الدستور تحمل بذاتها بذرة الحوار العملي والموضوعي، من خلال تمكينها المكونات الطائفية من امتلاك حق الاعتراض على انتخاب رئيسٍ طرف للجمهورية كممر الزامي للتوافق على مرشحٍ توافقي جامع، فإن المادة 44 تفتقر لهذه الروحية كونها لا تمنح هذا الحق للمكونات الطائفية على وصول رئيسٍ طرف لمجلس النواب، بحيث قد يكون تمثيله مجتزاً كما حصل في الدورة الأخيرة.

وعليه فإن طاولة الحوار الحقيقية هي التي يُفترض ان تسبق انتخاب رئيس مجلس النواب كعرفٍ دستوري يُعوّض عن هذه الثغرة في المادة 44، وكممر الزامي لوصول رئيس مجلس نيابي يتمتّع بأكبر قدرٍ من التوافقية وشمولية التمثيل النيابي واللبناني.​

اقرأ ايضاً

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل