
اللقاء بالأب البروفسور يوسف مونّس في دير مار أنطونيوس للرهبانية اللبنانية المارونية في السوديكو ليس عاديًّا، فهو يعيش في تلك الصومعة في قلب بيروت، يصلّي ويكتب الأناشيد ليسبّح الله والسيّد المسيح والعذراء والقديسين، يتأمل كثيرًا وهو ابن الـ86 عامًا، بعدما خاض معمودية النضال والمقاومة كراهب متحدّر من سلالة البطريرك الأول مار يوحنا مارون.
في ذاك السكون الموحي بأجواء روحيّة ولاهوتيّة وثقافيّة ووطنيّة، عُرِفَ بها الأب مونّس، زاره رئيس الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” جورج حايك، يُرافقه عضو الهيئة التنفيذيّة في “القوات” دانيال سبيرو.
لا يُقاس هذا اللقاء بوقت لأنّ قيمته مرتبطة بالأبعاد الفكريّة والروحيّة للأب مونّس الذي تعلّم وعلّم وخاض غمار الكهنوت والتعليم والمسرح، وترك عشرات المؤلفات والأبحاث في الأنثروبولوجيا والليتورجيا وعلم الاجتماع وأكثر من 34 مسرحيّة وبرنامجًا تلفزيونيًّا.
أثنى الأب مونّس كثيرًا على جهود الدائرة الثقافيّة في “القوات”، معتبرًا دورها أساسيًّا في الصراع الفكري والثقافي الذي نعيشه، وتطرّق إلى إنجازات المارونيّة السياسيّة التي ينتقدها بعضهم، “وهي عزّزت وجه لبنان الحضاري السبّاق من حيث الجامعة والمدرسة والمستشفى والمصرف والمؤسسّات عمومًا، ثمّ أتت السنيّة السياسيّة وأعادت البريق إلى بيروت بعد حرب طاحنة”، لكنّه تساءل:”ماذا تفعل الشيعيّة السياسيّة اليوم التي يمثّلها “الحزب” يا تُرى؟
للأسف قدّمت وجهًا سلبيًّا يقوم على الحرب والعنف والعقائد الدينيّة المستورَدَة”.
يرى مونّس أنّ الجيل الذي انتمى إليه مع رهبان آخرين في جامعة الروح القدس الكسليك مع الأباتي بولس نعمان وكلّ مَن شارك في “الجبهة اللبنانية” قاوم وناضل من أجل الحفاظ على لبنان الحريّة وكرامة الإنسان والقيم، ويعتبر أنّ هذه المقاومة لم تكن عسكريّة فقط بل مقاومة فكريّة وثقافيّة أيضًا، مشيرًا إلى أنّه توجّه بنفسه إلى سوريا مع زملائه الرهبان ليلتقي الرئيس السوري في عزّ التوتّر موجِّهًا إليه بضع كلمات “لبنان لا يُحكم بجزمة أحد”. وبالتأكيد، كانت هذه الكلمات آنذاك تحتاج إلى جرأة كبيرة! وفي مرحلة أخرى، جاهد الأب مونّس عندما كان رئيسًا لجامعة الروح القدس الكسليك للمحافظة على الجامعة، برغم توجيه إليه اتّهامات غير صحيحة آنذاك.
ويؤكّد الأب مونّس أنّ الله لم يغب لحظة عن تاريخنا البشري، والروح القدس يرافقنا على الدوام، وشدّد على أنّ هناك دائمًا نخب تحمل نداء الروح، معتبرًا أنّ رئيس “القوات اللبنانية” من هذه النخب، ولولا صلاته والروح القدس خلال فترة اعتقاله، كان من الصعب أن يخرج من السجن، فهو صمد بفعل هذه الروح.
ودعا مونس الدائرة الثقافية في “القوات” إلى الاستمرار في هذا النهج النضالي والمقاوم للمحافظة على الهويّة اللبنانيّة والقيم في ظلّ صراع شرس يهدف إلى طمس هذه الهويّة والقيم، مردِّدًا كلام قداسة البابا يوحنا بولس الثاني “أنا آتٍ من بلد زال عن الخارطة وعن التاريخ لكن الثقافة هي التي أعادته إلى الجغرافيا والتاريخ”.
في الختام، ودّعنا الأب يوسف مونّس الحاضر بفكره وذاكرته وثقافته العميقة رغم بلوغه هذه السنّ، ودعينا له بالعمر الطويل وهو استودعنا سلامه وتحياته الحارّة لـ”الحكيم”.