صحيفة النهار- المحامي سعيد مالك
تنّص المادة/73/ من الدستور اللبناني على آلية إنتخاب رئيس الجمهورية. كذلك، تنّص المادة/74/ منه، على أنه إذا خَلَت سدة الرئاسة، فلأجل إنتخاب الخلف يجتمع المجلس فورًا بحُكم القانون.
مما يُفيد، أن الدستور نصّ على الإجتماع الفوري والحُكمي للمجلس النيابي لإنتخاب الخَلَف، ولم ينّص على أي حوار أم تشاور يسبق هذا الإستحقاق أو حتى يتزامن معه.
يُصّر رئيس المجلس النيابي على وجوب الحوار قبل الإنتخاب، مُخالفاً بذلك نصوص الدستور وروحيّته. فيما تواجه هذا الرأي مجموعة كبيرة من النواب، تتشبّث بالنّص الدستوري، وتخشى من أن تتحوّل الدعوة إلى الحوار إلى عُرفٍ دستوري، يُكرّس مستقبلاً، ويُصبِح مُلزِماً وشرطاً لإنجاز كل إستحقاق رئاسي.
ومنذ أيّامٍ خَلَتْ، بادَرَنا رئيس التيار الوطني الحرّ، بطرح يقضي بالتوقيع على وثيقة خطيّة من قبل المعنيين، تُفيد أن الحوار والذي سيجري لن يُشكّل عُرفاً دستورياً مُستقبلاً، وأنه أُجري للضرورات ليس إلاّ…كذا… .
مما يطرح السؤال، عن ماهيّة العُرف الدستوري، وكيف ينشأ، وما إذا كان مُمكناً إسقاطه بوثيقة خطيّة أم لا؟
من الثابت أن العرف الدستوري هو عبارة عن سلوكيات وتصرُّفات يطغى عليها طابع الثبات، فتدخل في الإعتبارات الدستورية (كتاب د.مولود منصور- في القانون الدستوري- الطبعة الثانية-/2011/).
وأيضاً، إعتبر بعض الفقهاء أن العرف هو تكرار في مسألة ما بطريقة معيّنة، مع الإعتقاد بأن هذا السلوك أصبح مُلزِماً لهم قانوناً بأوضاع مُشابهة (كتاب الدكتور أحمد سي علي- من النظرية والتطبيق/2009/) و(كتاب الدكتور حبيب ابراهيم الخليلي- النظرية العامة للقانون- الطبعة العاشرة-/2010/).
وبالتالي، وفي حال التسليم بضرورة وإلزامية الحوار قبل أي إستحقاق إنتخابي للرئاسة الأولى، وتكرار هذا السلوك، سيُدخل هذا التصرُّف في الإعتبارات الدستورية. بحيث سيُعتبر هذا السلوك قد بات مُلزِماً دستورًا، مع كل إنتخاب وفي كل إستحقاق.
كذلك، رأى العلاّمة “جورج فيديل” العميد الدستوري والمرجع الفقهي الأول، أن السوابق والتي تبتعد عن القانون الوضعي (أي الدستور) تُشكّل خرقاً للقاعدة القانونية المكتوبة. فالعُرف حسب رأيه هو بمثابة تنازل عن فكرة الدستور في معناه الكلاسيكي (رأي منشور “للعميد جورج فيديل” في كتاب الدكتور مولود منصور- الوجيز في القانون الدستوري- الطبعة الثانية-/2011/).
علماً، أن فقهاء القانون الدستوري قد ذهبوا أبعد من ذلك، إذ اعتبر “العلاّمة أندري هوريو” و”العلاّمة موريس ديفيرجي” وغيرهما، أن العرف ممكن أن يلغي نص دستوري.
والعرف يكفي لتكوينه إضافةً إلى العنصر المادي، عنصرًا معنوياً، يتشكّل عندما يتولّد لدى الجماعة شعورًا، بأن ذلك السلوك (والمقصود في هذه الدراسة “الحوار” قبل الإنتخاب) أصبح ضرورياً، لأنه يُمثّل الحلّ، ويُصبح للعرف الدستوري دورًا تكميلياً للدستور. وهذا ما يتظهّر بشعورٍ من الجماعة، بضرورة الإلتزام بالقاعدة العرفية والعمل بموجبها، تحت عنوان “عقيدة الإلتزام”.
مع التأكيد، أن فرض الحوار قبل الإنتخاب، يُشكّل عرفاً مُعدّلاً للدستور، وذلك بإستحداث قاعدة دستورية جديدة، خلافاً للنّص المكتوب في الدستور.
ما يُفيد، أن طرح الحوار قبل الإستحقاق الرئاسي، سيُشكّل مُستقبلاً عرفاً مُعدِّلاً لأحكام الدستور، وسينسف آلية إنتخاب رئيس الدولة والمنصوص عليها في أحكام الدستور.
أمّا لجهة إسقاط العرف بورقة مكتوبة موّقعة من المعنيين، كما يطرح رئيس التيار الوطني الحرّ…كذا… فهذه هرطقة دستورية، لأن العرف يتكوّن قبل كلّ شيء بقناعة وشعور الجماعة، وتسليمهم بأن أي إنتخاب يجب أن يسبقة حوار. فالورقة الخطيّة والوثيقة المكتوبة لا تحول دون تكوين العرف المُعدِّل لأحكام الدستور.
فأمّا أن نُسلّم بأن الدستور هو الواجب التطبيق، وأمّا نستسلم لطروحات وهرطقات هدفها خلق أعراف جديدة تُناقض أحكام النصّ وروحيّته.