صحيفة النهار – روزانا بومنصف
مع مشهد الانتخابات الذي تابعه اللبنانيون بشغف في بريطانيا وفرنسا وحتى في إيران، والاستعدادات للانتخابات الأبرز في الولايات المتحدة، كبرت على نحو متعاظم لدى مراقبين ديبلوماسيين الخشية من أن كل هذه الانتخابات قد لا تنقل عدواها الى لبنان، بل يرجّح أن تضيف تعليقاً أو بالأحرى تعطيلاً إضافياً للاستحقاقات اللبنانية التي يربطها المتحكمون بالوضع اللبناني بمآل اتجاهات التموضعات والحسابات الإقليمية والدولية في ظل خلط للأوراق غير محسوم النتائج وغير واضح المعالم. كان موعد الانتخابات الاميركية مطلع تشرين الثاني محطة جديدة للانتظار بعد حرب غزة إذا انتهت، والآن برزت مجموعة محطات أخرى تحمل تغييرات كبيرة.
اللافت على المستوى الداخلي، أن الانتخابات الإيرانية حظيت وحدها برسائل التهنئة التي انطوت على مغازٍ كثيرة من كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري و السيد نصرالله. الانتخابات الإيرانية انتهت الى انتخاب مرشّح “إصلاحي” يصرّ المرشد الإيراني علي خامنئي على ضرورة أن يتابع نهج الرئيس السابق إبرهيم رئيسي بعدما قاد مسعود بيزشكيان الذي فاز بالرئاسة، حملته الرئاسية بعناوين تشكل خروجاً عن رئاسة الرئيس السابق المتشدّد فيما كان قد انتقد مراراً وتكراراً رئاسة رئيسي في الأسابيع الأخيرة. وكان خامنئي انتقد ضمناً بدوره سياسات حملة بزشكيان وتبنّى آراء المرشح المتشدّد سعيد جليلي في مجالي السياسة النووية والخارجية في خطاب ألقاه في 25 حزيران، والذي شكل مؤشرات قوية على أن خامنئي يفضّل جليلي على بزشكيان. والتحوّل في اتجاه الانتخابات الإيرانية قد تكون فرضته المناظرة الأميركية الأولى بين الرئيس جو بايدن وخصمه دونالد ترامب والتي جرت قبيل الانتخابات الإيرانية فسمحت بتكوين فكرة واضحة إزاء اتجاهات الرئاسة الأميركية المقبلة من دون الحاجة الى انتظار موعد الانتخابات في 5 تشرين الثاني المقبل، هذا إذا استمر بايدن في ترشّحه. لكن سواء أراد خامنئي المرشح المتشدد أم لا، يتفق كثر على أنه كان يمكنه منع وصول بزشكيان. ويجمع المراقبون الديبلوماسيون على أن الرسالة التي يوجهها انتخاب هذا الأخير ولا سيما لجهة إمكان التفاوض مع الغرب وتحديداً مع الولايات المتحدة تظل تحت سقف مدى الهامش الذي سيتيحه له المرشد الإيراني ومراكز القوى المتشددة في إيران بحيث يعتقد أقله في السياق الراهن للأمور أن لا تغيير جوهرياً يمكن توقعه من إتاحة فوز بزشكيان. وذلك على رغم أنه يمكن الاستفادة من هذا الفوز في الترويج لـ”الديموقراطية ” في إيران (الرئيس برّي أثنى على الديموقراطية وذكرها مرتين في رسالة التهنئة)، وهذه الاستفادة ستحصل على مستويين في الداخل كما في الخارج. والإشارة وفق هذه المصادر الى “إتاحة فوز” تستند الى أنه كان يمكن للمرشد أن يعرقل وصول الأخير من جهة لولا أنه تحسّب لإمكان أن يفجّر الضغط المعاكس ما يشبه ما حصل في 2009، ولأخذه في الاعتبار الاحتمالات الأخرى، إذ إن قراءة الانتخابات الإيرانية لا تحصل بمعزل عن التحولات الجارية والمتوقعة في الدول الغربية كما في المنطقة، وهي كثيرة وانقلابية بمعانٍ عدة، ولا سيما أن التحول في إتاحة وصول بزشكيان قد تكون أملته اعتبارات احتمال وصول المرشح الجمهوري في أميركا الرئيس السابق ترامب الذي يتم الالتفاف عليه بإعلان إيران استعدادها استباقياً في اتجاه تظهير الرغبة في الحوار مع الولايات المتحدة في الملف النووي والعقوبات وليس تظهير أي اتجاه صدامي سيكون محتوماً لو أتيح فوز المرشح الإيراني المتشدد، وتموضعها على نحو يكسبها نقاطاً تكتية.
وكانت لافتة التهنئة التي وجّهها بري لإيران بالانتخابات مركّزاً على “أن إيران كما هي عظيمة في ثورتها، هي أيضاً عظيمة وعريقة في ممارسة الديموقراطية بأبهى صورها وتجلياتها”، مشيراً كذلك الى “النحو الديموقراطي الراقي الذي تمت فيه” الانتخابات. هي لافتة بالنسبة الى البعض من حيث مسؤولية بري عن التفعيل المعلق لـ”الديموقراطية” اللبنانية كما عن تعطيلها.
في بريطانيا سارع المحافظون الخاسرون الى الانسحاب والاعتراف بالهزيمة وحصل بسرعة الانتقال الديموقراطي، فيما انتخابات فرنسا التشريعية التي قد تفضي الى افتقاد غالبية في البرلمان الذي سيماثل عندئذ البرلمان اللبناني قد يقوّي أوراق المعطلين ويعطيهم ذريعة للاستمرار في تعطيلهم على قاعدة أن أرقى الديموقراطيات تواجه أزمات مماثلة.