




.jpg)
بينما قرّر بعض اللبنانيّين السير على طريق غير لبنانيّ، مختارين الموت فداءً للمبدأ الإيديولوجي الذي لا يمتّ بأيّ صلة إلى الكِيانيّة اللبنانيّة، نظّمت رعيّة زغرتا – إهدن، ومؤسّسة البطريرك الدويهي، وطالب دعوى البطريرك الدويهي الأب بولس القزّي، رحلة الحجّ المقدّس الثانية إلى وادي قنّوبين وإهدن ودير مار أنطونيوس قزحيا. وهكذا سار اللبنانيّون الأحرار على طريق قنّوبين إيمانًا منهم بنهج الحياة، وتكريمًا للطوباوي إسطفان الدّويهي.
يوم السبت الواقع فيه 29 حزيران 2024 انطلق موكب يضمّ أكثر من خمسين إعلاميّة وإعلامي على خطى الطوباويّ البطريرك أسطفان الدويهي، والوجهة والهدف أوضح من نور الشّمس. حيث لا يمكن لأيّ شخص أن يشعر بما شعر به الآخر إلّا إذا سار على خطاه. وهكذا أراد طالب دعوى البطريرك الأب بولس القزّي من الإعلاميّين، حيث نقلنا بالجسد والرّوحانيّة الدويهيّة إلى المكان الأحبّ إلى قلب البطريرك الذي شكّلت بطريركيّته نهجًا في المقاومة والصمود والتصدّي والعلم والتأريخ حتّى صار هو بحدّ ذاته ذلك التّاريخ.
الانطلاقة هي الأساس
كان الانطلاق الباكر من جامعة الرّوح القدس الكسليك، حيث تربض الرّهبنة المارونيّة اللبنانيّة على كتف هذا الشاطئ الأبيّ. هذه الجامعة التي احتضنت عبر التّاريخ الوجودي للكيان اللبناني المفكرين اللبنانيّين يوم تشكّلت لجنة البحوث فيها من كلّ من الأب جوزف قزّي وهنري كريمونا وبول فارس وميشال عوّاد وأنطوان نجم. هذه اللجنة التي عملت على تأطير الفكر المسيحي المقاوِم في صلب المجتمع اللبناني ليسلم لنا لبنان وللمؤمنين بوجوديّته كلّهم على تنوعّهم وفرادتهم.
المحطّة الأولى كانت في أعماق ذلك الوادي القاديشيّ، حيث ترتاح يد الرّبّ فوق هاتيك الرّبى وعلى أنغام سقسقة السواقي، وهدير ذلك النّهر الذي تعلوه ترانيم مقدّسة من تنسيق الخالق بحدّ ذاته. بعد الوصول إلى درج دير سيّدة قنّوبين، المقرّ البطريركيّ الأثريّ القديم الذي مارس فيه البطريرك الطوباوي أسطفان الدويهي صلاحياته البطريركية، ابتدأنا الصعود على تلك الأدراج الصخريّة التي حفرتها يد الزّمن لمّا أمسك أيادي أولئك الرّهبان المقاومين الذين تحصّنوا في ذلك الدّير العتيق.
هناك، غرفة الطوباوي إسطفان الدّويهي التي كانت تشكّل بالنّسبة إليه مملكة فردوسيّة على الأرض، ومنها شقّ طريق الملكوت بتأمّلاته التّاريخية عبر الأزمنة. نافذة منها تطلّ على القربان المقدّس الذي لم يفارق ناظرَيه، وأخرى على الوادي المقدّس. أمّا بالقرب منها فحفر نفق عُرِف بـ”مخباية البطرك”، حيث حرص الرّهبان على تخبئة بطريركهم لأنّهم أدركوا عن حقّ قيمته في قيادة المجتمع المسيحيّ آنذاك. وأيقنوا أنّ المحتلّ إذا استطاع الوصول إليه، فعندها تتحقّق نبوءة زكريّا التي وردت في العهد القديم في الفصل الثالث عشر على ما قال الرّبّ على لسان الرّائي:
“أَيُّها السَّيفُ استَيقِظْ على راعِيَّ وعلى قَريبي، يَقولُ رَبُّ القُوَّات اضرب الراعِيَ فتَتَبَدَّدَ الخِراف وأَنا أَرُدُّ يَدي على الصِّغار ويَكونُ قي كُلِّ أَرضٍ، يقول الرَّبّ أَنَّ ثُلثَينِ مِنها يَنقَرِضانِ ويَهلِكان والثُّلثُ يُبْقى علَيه فيها فأُدخِلُ هذا الثُّلثَ في النَّار وأَصهَرُه صَهرَ الفِضَّة وأمتَحِنُه امتِحانَ الذَّهَب؛ هو يَدْعو بِاسمي وأَنا أَستَجيبُه أَنا أَقولُ: هو شَعْبي. وهو يَقول: الرَّبُّ إِلهي”.
أنموذج القيادة الحيّة
نجح البطريرك والرّهبان بالحفاظ على أمنهم ليسلم المجتمع المسيحي. فشكّل البطريرك الدويهيّ أنموذجًا يحتذى في القيادة حيث استطاع أن يرتقي بالتّجربة المارونيّة الفردانيّة إلى الرّحاب اللبنانيّة حيث الكلّانيّة. وهكذا رسم خطًّا بيانيًّا للكيان اللبناني استكمالًا لعمل أسلافه بدءًا بالبطريرك الأوّل مار يوحنّا مارون ووصولًا حتّى زمن البطريرك الياس الحويّك الذي نجح بانتزاع الاعتراف بدولة لبنان الكبير من المجتمع الدّولي في مؤتمر فرساي.
صحيح أنّ ثلثي المجتمع المسيحي قد هلك في الحرب الكونيّة الأولى، لكنّ الثلث الباقي امتُحِنَ في النّار، وصُهِرَ صَهْرَ الفضّة وامتُحِنَ امتحان الذّهب. وهكذا وُلد لبنان الكبير من تاريخ هذا الدّير الذي يعود إلى سنة 375، لينتقل بعدها البطاركة إليه سنة 1440، ويعيشوا فيه حوالي أربعمئة سنة قبل أن ينتقلوا إلى المقرّ البطريركيّ الصيفيّ في الديمان عام 1830، بحسب ما قالته على مسامعنا رئيسة الدير الأخت جانيت فنيانوس في معرض حديثها عن حياة الطوباوي، والفترة الزمنية التي عاشها هنا.
كما تحدّث الأب بولس قزّي فرحب بالإعلاميين في “هذا المكانِ المقدّسِ الذي سنخدشُ صمتَهُ وخُشوعَه…” مؤكّدًا على صحّة رؤية لبنان الكيانيّة إذ اعتبر الأب قزّي «أنّ الله يومَ أوجَدَ لبنان، إنّما فَعَلَ لأنّهُ استشرَفَ ما سيكونُ لهذِهِ البقعةِ من دورٍ ذاتَ يوم. لذا خَلَقَ فيهِ كُلَّ عناصِرِ الحياةِ من هواءٍ وماءٍ وترابٍ، وكُلَّ عناصِرِ الأمنِ والأمانِ، فجعَلَهُ عَصيًّا على الفاتحينَ والأشرار، والأهَمُّ أنّه جَعَلَهُ مَحَلَّ إقامةٍ لمن يريدُ التواصُلَ مَعَهُ ليلاً نهاراً، وَلَعَلَّ النسّاكَ أدركوا نيَّةَ الله فراحوا يتوافدون إلى ههُنا منذُ القرنِ الرّابع الميلاديّ إلى اليومِ مِن دونِ انقطاع.
مبدأ لبنان الرّسالة
هذه هي الرّسالة التي يحملها لبنان في سرّ تكوينه. هذا الوطن الذي استذكر الأب قزّي في كلمته كيف اتّخذ الرّهبان فيه هذا “الدّيرَ كُرسيًّا بطريرْكِيًّا لِسَبْعَ عَشَرَةَ ولايَةً، كانَتْ آخِرَها أروعها ولايةُ البطريرك الدّويهي التي دامَتْ أربعةَ وثلاثين عامًا من 1670 حتى 1704، ولو أنّ إقامَتَهُ هنا كانَتْ مُتقطِّعَةً بفعلِ الاضطهاد والظُلْمِ والتّهديدِ، وهربًا من مُحَصّلي الضرائِبِ العثمانيين، الذين ما انفكّوا يُلاحقونَه ويُطالِبونَه بما لم يَكُن متوافِرًا لديه، ما اضْطُرَّهُ للمغادرةِ مرّاتٍ عديدةً قاصِدًا غوسطا ومجدل المعوش”.
كما أكّد الأب قزّي في حديثه عن البطريرك الدّويهيّ “في قنوبين كان كُلُّ شيءٍ بالنِسْبةِ إليهِ مختلفًا، وكأَنَّهُ كان يرى فيها مَعْقَلاً ومَهْدًا للمارونيَّة التي طَبَعَت إسْلامَ المَشرِقِ العربيّ وكانتِ الرّقْمَ الصَّعْب في كلّ المُعادلاتِ”.
الدّويهيّ المؤسّس
ويكشف الأب قزّي في كلمته كيف استَقْبَلَ البطريرك الدويهي الشبَّانَ الأربعةَ الذين جاؤوا من حَلَب وأسّسوا الرهبنة اللبنانية التي صارتْ في ما بعدَ رَهبانيَّتيْن معروفتينِ اليومَ باسمِ الرهبنةِ اللبنانيّة المارونيّة والرهبنةِ المارونيّةِ المريميَّةِ.
ومن هذا الوادي ومن دير مارت مورا الذي منَحَه البطريركُ الدويهي للشبانِ الأربعة المؤسّسين، ومن دير إليشع الكائنِ في الطرفِ الآخرِ من هذا الوادي، وجّه الأب قزّي في كلمته “تحيّةً إلى عبد الله قراعلي وجبرايل حوّا ويوسف البتن وجبرايل فرحات ومن خلالهم إلى روحِ البطريركِ إسطفانِ الدويهي الذي جَمَعَنا في هذا الصّباح”.
كما كشف الأب قزّي للإعلاميّين أمنية البطريرك الأخيرة وهي أن يُدفَنَ في مَغارة القديسة مارينا إلى جانِب أسلافهِ البطاركةِ. وفي الثالث من أيّار من العام 1704، وبعد 34 عامًا من تولّيه بطريركيّة أنطاكية، أَسْلَمَ الروحَ في غرفتِه، وأُدخِلَ الكنيسةَ جالسًا على الكرسيّ والتاجُ على رأسِهِ والعصا بيمينه، وقد ودّعَتْه حشودُ الموارنة الذين وفدوا من كُلّ مكان. ورفضوا أنْ يصدّقوا أن البطريرك الدويهي مات، لذا لم يقبلوا أن يتبادلوا التعزية. وبالفعلِ لقد ظلَّ حيًّا فيهم ولا يزال وهذا أكبر دليلٍ على قداستِه، ولطالما ردّدوا: “قد يَبِسَ السوسَن وذَبُلَتِ الوردة وانتهَتِ التعاليمُ وَكَمُلَتِ القداسة”. كما نقل الأب قزّي في “شهادته الدّويهيّة” أمام الإعلاميّين.
التبارك من جثمان الدّويهي ويوسف بك كرم
بعد ذلك توجّه الإعلاميّون إلى دير مار جرجس في إهدن حيث يتقابل هناك جثمانا الدّويهي ويوسف بك كرم، بما يحملان من رمزيّة صانع التّاريخ وعلّامة التأريخ، ومن صانع البطولة وثائر الكرامة؛ وهناك استمع الإعلاميون المشاركون إلى كلمة المونسنيور إسطفان فرنجيه الذي رحّب بهم للمرة الثانية في رحلة الحجّ “على خطى البطريرك الدويهي، داعيًا إيّاهم إلى مواكبة النّشاطات المواكِبَة لعمليّة التطويب، من مثل تغطية للمؤتمر الصحافيّ الذي عُقد في بكركي ظهر يوم الأربعاء في 3 تموز، وتدشين أوّل “كابيلا” في الشرق على إسم الطوباويّ العتيد في بلدة إرده قضاء زغرتا في الرابع من تموز.
وتبارك الإعلاميّون من ذخائر السائر على درب التّكريم والذي وصل إلى الطوباويّة وسائر نحو التّقديس. وشارك في اللقاء عضوا مؤسسة البطريرك الدويهي النقيب جوزف الرعيدي والأب يوسف طنوس.
رسالة الأب الحبيس يوحنّا خوند من دير مار أنطونيوس قزحيّا إلى اللبنانيّين
وبعد اللقاء والغداء في بيت الكهنة في إهدن، توجّه الإعلاميّون إلى دير مار أنطونيوس قزحيا حيث كان في استقبالهم الأب بيتر بطرس نيابة عن رئيس الدير وجمهور رهبان الدير. وبما أنّنا قوم لا نؤمن بالصدف، بل إيماننا بأنّ الرّبّ يعرف وحده الساعة التي يخاطب فيها شعبه الصارخ إليه بإيمان، خرج الحبيس يوحنا الخوند من حرزه الرّهباني لأنّ الوقت حان لصلاة المساء.
فالتفّ الإعلاميّون حوله يطلبون بركته. لكنّ خوفي الشخصي على هذا الوطن دفعني لأن أسأل: “يا بيّ الحبيس منخاف على لبنان؟» فصرخ الحبيس الخوند بصوته الأجشّ: «لا خوف على لبنان”.
وأكمل الأب الحبيس متحدّثًا عن “فرادة لبنان الجغرافيّة، من حيث تكوين طبيعته، والإثنولوجيّة كشعب كيف تكوّن من عدّة شعوب. هؤلاء جميعهم شكّلوا هذا الوطن الذي لكلّ من هؤلاء حقّه فيه. وهذا لم يحدث في أيّ بلد من العالم”.
ويعتبر الأب خوند نقلاً عمّا قاله له أحد الرّهبان الخبراء بالقانون الدّستوري أنّ “دستور لبنان هو من أفضل الدّساتير في العالم إذ يعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، لكن من المفترض أن نعرف السير وفاقًا لأسسه”. وهذا بالطبع ما لم يحدث في تاريخنا المعاصر.
ففرادة لبنان كما اعتبر الأب خوند في “وجود رئيس جمهوريّة مسيحيّ فيه بينما من لبنان حتّى اليابان لا يوجد مختار مسيحيّ». وهذا ما يجب أن نحمله بصلاتنا بحسب الأب خوند «أن يبقى لبنان بفرادته الجميلة هذه رمزًا للعالمين”. وختم مؤكّدًا على أنّ “لبنان أكيد باقٍ ولن يزول”؛ مردّدًا أبيات قصيدة الشاعر سعيد عقل من مسرحيّة قدموس:
فإصمُد لبنانُ ما بك وهنُ
سوف نبقى لا بد في الأرض من حقٍّ
وما من حقٍّ ولم نبقَ نحنُ.
وفي طريق العودة، بقي منّا الكثير في ذلك الوادي القاديشيّ الرّوح، ونترقّب في القادم من الأيّام ما قد يحمله لنا هذا البطريرك القديس في تطويبه. فهل نستحقّه كلبنانيّين أن نحيا على طريق قنّوبين، أم أنّ الوطن الذي بنيناه على خطى البطريرك الدّويهيّ قد مات؛ حتّى صار العالم كلّه دويهيًّا، ولبنان عاد إلى غياهب الماضي مع الذين قرّروا الموت على طرق العالم القاتمة؟
كتب د. ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1755
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]