#adsense

الرئيس سليمان ونيران الإطفائي المهووس

حجم الخط

الحملة على السنيورة تهدف الى إعادة الاعتبار لاستراتيجية الصراع بين الرئاستين الأولى والثالثة
الرئيس سليمان ونيران "الإطفائي المهووس"

كان رئيس سابق للحكومة، وعشية انتهاء ولاية الرئيس السابق اميل لحود، يُردّد دائما دائما أن رئيس أولى حكومات العهد الجديد، أيّا كان إسمه، سوف يُعاني مشاكل كبرى في علاقته مع رئيس الجمهورية.
وكانت هذه الشخصية التي تربطها علاقة وثيقة بالقيادة السورية تتوقع أنّ يجد رئيس الحكومة نفسه، في حال حصلت الإنتخابات الرئاسية، في الرابع عشر من شباط 2008 (مرّ هذا التاريخ بفعل الفراغ الرئاسي) يُلقي كلمة في الذكرى السنوية لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري معلنا فيها اعتكافه.
تغيّرت المواعيد، بطبيعة الحال، ولكن حتى الأمس القريب كانت التوقعات لا تزال قائمة.

وبالفعل، من يُدقّق بطبيعة الحملات التي استهدفت رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، على خلفية زيارته الأخيرة للجمهورية العربية المصرية، يُدرك أن النظام السوري لم يُقلع بعد عن عاداته القديمة، فهو لا يزال يلعب على وتر دق إسفين بين رئاسة الجمهورية من جهة وبين رئاسة الحكومة من جهة ثانية، من أجل تحويل هذين الموقعين الدستوريين المتكاملين الى موقعين دستوريين متخاصمين أو متنافسين.

ولقد كان عهد الرئيس السابق اميل لحود هو النموذج المفضّل لدى القيادة السورية، وقد أجاد اللواء جميل السيّد في تلقين لحود الدور المطلوب منه في مواجهة رئيس الحكومة، وحين دخل الوزير الياس المر على خط بعبدا ـ السرايا الكبيرة في ما سمّي بمرحلة "غسيل القلوب" تعرّض لواحدة من أعنف الحملات السياسية ـ الإعلامية (حملة أنتجت خلاصات أدّت الى خروج المر من "حكومة التمديد" قبل أن تستدعي تلك السيارة التي انفجرت بموكبه في 12 تموز 2005)، ما دفع بلحود الى استعادة التقيّد بمدوّنة السلوك التي وضعها له جميل السيّد.

وهذه الإرادة السورية "التفريقية" كانت محور النصائح التي أسداها السيّد الى "أصدقائه" المرشحين لرئاسة الجمهورية في العام 2004، ما دفع بعدد منهم، وبهاجس النجاح في الإمتحان العسير، الى تنظيم حملات، مباشرة وغير مباشرة، ضد الرئيس رفيق الحريري من جهة وضد الطائفة السنية من جهة أخرى، ولكن براعة لحود قطعت عليهم الطريق.

وسبق للنظام السوري، منذ انتقال الراحل حافظ الأسد الى رئاسة الجمهورية في العام 1970، أن أرسى قاعدة التفرقة هذه. فالرئيس الراحل سليمان فرنجية عانى الأمرين، على الرغم من صداقته بالأسد، لأنه حرص على تنظيم علاقة تعاون مع رئيس الحكومة الراحل صائب سلام، ومن ثم مع الرئيس الراحل تقي الدين الصلح فرشيدالصلح، إلى ان رضخ، بفعل بدء حرب العام 1975، فسمّى الرئيس الشهيد رشيد كرامي الذي كانت تفرق بينهما "خلافات تفجيرية".

وليس من باب "التخمين" التأكيد أن النظام السوري يعتمد "استراتيجية التفرقة" هذه، من أجل الدخول بقوة الى المعادلة اللبنانية، إدراكا منه أن الخلافات على مستوى الرئاستين الأولى والثالثة، تجر لبنان الى حساسيات تدميرية بين الطائفتين السنية والمارونية.

وبالعودة الى الحملة التي استهدفت الرئيس السنيورة على خلفية زيارته الأخيرة للإسكندرية، يتّضح وقوف النظام السوري وراءها، ذلك أن وسائل الإعلام التي تولّتها، بالتتابع، محسوبة كليا على النظام السوري، وكذلك هي حال "جوقة السياسيين" التي انضمّ إليها ممثل الطاشناق في الحكومة الوزير آلان طابوريان (المشهور بعدم تعاونه مع لجنة التحقيق الدولية حين استلم وزارة الإتصالات في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي).

وبمراجعة أدبيات هذه الحملة يمكن التوقف عند الآتي:
أولا، السنيورة "يسلب" صلاحيات رئيس الجمهورية.
ثانيا، الرئيس سليمان "غاضب" من تجاوز السنيورة له.
ثالثا، السنيورة يحاول تطويق المفاعيل الإيجابية للقمة اللبنانية ـ السورية.
رابعا، الزيارة تستّرت بالبعد الإقتصادي ـ على اعتبار ان الزيارة "لم تُقدّم ولم تؤخر" ـ وهدفها الحقيقي إستجرار "الكهربة السياسية" الى البلاد.

وبدا واضحا أنّ الرئيس سليمان كان مدعوا الى تغطية هذه الحملة، بطريقة أو بأخرى، سواء من خلال التوقيت أم من خلال الإصرار.
فعلى مستوى التوقيت، فقد أتت الحملة في ضوء عودة الرئيس سليمان الى بيروت من دمشق، وبدا لكثيرين أنها محاولة سورية لقياس مدى استعداد رئيس الجمهورية للتناغم مع الغمز الأسدي من قناة "عمالة" السنيورة.

وعلى مستوى الإصرار، فإنّ الصحف السورية إنضمت الى حملة إستمرت في لبنان، حتى بعد صدور بيان عن رئاسة الجمهورية أوضح أن مرتكزات الحملة واهية وساقطة ومن صنع الخيال.

ولكن الرئيس سليمان لم يستجب للدعوة الى حلبة الصراع، وخلفيته معروفة، فمن يحاول أن يُصلح ذات البين مع النظام السوري لدرء الأخطار على لبنان، يستحيل عليه أن يُقحم وطنه في المخاطر كرمى لعين هذا النظام.

وهذه الفضيلة الوطنية التي أثبت الرئيس سليمان توافرها فيه وستكون لها انعكاسات إيجابية على مصلحة لبنان العليا في المستقبل، يستحيل أن تُخفّف منها هجمة العماد ميشال عون المتجددة على الرئيس السنيورة تحت عنوان صلاحيات نائب رئيس الحكومة، من جهة وعلى الطائفة السنية تحت عنوان الإرهاب من جهة ثانية، لأن هجمات مماثلة تفقد قدرتها التأثيرية متى كانت بلا غطاء رئاسي، فحملات عصام فارس السابقة مدعومة من "جوقة رستم غزالي" كانت تترك آثارا على الوضعية الداخلية لأنها كانت منسقة كليا مع الرئيس السابق اميل لحود.

وهكذا، فإن الأداء الوطني الرفيع للرئيس ميشال سليمان الآتي من مؤسسة سبق لها ودفعت غاليا ثمن "إستراتيجية التفرقة"، من شأنه أن يُحبط توقعات الرئيس السابق للحكومة، بحيث يذهب الرئيس السنيورة الى إدارة العملية الإنتخابية وليس الى ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليتلو خطاب الإعتكاف.

وفي حال واظب الرئيس سليمان على سلوكيته الوطنية ـ وهذا مرجح بشكل حاسم ـ فإن النظام السوري الذي يعيش في عالم متغيّر، ولو كان غير فعّال بما فيه الكفاية، سيجد نفسه مضطرا الى تغيير سلوكياته تجاه لبنان ـ وهي سلوكية الإطفائي المهووس ـ لأن استدعاء الخراب للجمهورية سيستدعي مواجهته بصوت عال يهابه، فيما موافقته على المساهمة إيجابا في توفير الإستقرار سيقلب الآية بحيث يُصبح الصوت العالي لمصلحته، وفق ما يرتجيه الرئيس سليمان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل