
كان المشهد من بكركي عظيمًا. حفل إعلان البطريرك اسطفان الدويهي طوباويًا جديدًا من لبنان. مشهدية استثنائية بكل تفاصيلها، ذكّرت العالم، وخصوصًا بعض “اللبنانيين” الذين يحاولون إلغاء الكيان والهوية اللبنانية، أن لبنان أرض عراقة الموارنة ومنبعهم وقداستهم وانجازاتهم التاريخية الكبيرة، بأن لبنان والموارنة واحد لا يتجزأ، وأن لبنان والقديسين من أولاد البلد، هم رسائل ربانية تُرسل مباشرة من الرب ومن وقت لآخر، خصوصًا عندما نغرق في مصائبنا، لتعلن لنا أن يا جماعة لا تخافوا، لبنان لن يزول مهما تعاظمت من حوله نيران جهنم وأبطالها من شياطين هذه الأرض أولًا، التي تجتذب اليها شياطين جيران وأبعد قليلًا بعد. مشهدية بكركي المشعة حضارة ورقيًا وجمالًا، والجامعة للطوائف كافة، أخذتنا الى حالنا العميقة، الى أصالتنا وعراقتنا نحن اللبنانيين الأصيلين بكل طوائفنا، أرجعتنا الى مجد الوطن الحقيقي، لبنان القداسة، لبنان زلغوطة الضيعة حين نفرح، ولقاء الأحبة على تراث بلادنا حين نلتقي على الاحتفال بأحد أبناء البلد، وهو بطريرك مثقف عميق عابر للطوائف، أسس القداس في الكنيسة المارونية، الّف الكتب، قاوم الاحتلال العثماني، رفض أن يترك أرضه، ليبقى ابن اهدن الأصيل، اجترح أعاجيب باسم المسيح وأمه مريم التي أطلق عليها لقب “ست النسا”، وبعد سنين طويلة كرّمته روما ليصبح طوباويًا، واجتمعنا جميعًا لنفرح بابن البلد، هل أجمل من هذا بعد؟
كان يجب أن تكون مشهدية بكركي، ومن بعدها احتفالات إهدن بالبطريك الطوباوي، لنستنشق بعضًا من أمل ومن نقاء لبنان العريق، رغمًا عنكم لبنان عريق وسيبقى، خصوصًا أن في المقلب الآخر، المشهدية كانت محزنة مغضِبة كي لا نقول مدمرة!
أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت، وقفوا على الأشلاء التي طمرها المفجِرون، كل سنة يطمرونها أعمق، كي لا يتمكن الأهالي من رؤية ما اقترفته أياديهم المتوحشة بحق بيروت، ومع ذلك يصر الأهالي على الوقوف عند كومة العظام المحترقة ويصرخون مطالبين بالعدالة، لا يريدون سوى العدالة حقهم المكتسب، لكن سلطة الأمر الواقع تهددهم، تمنع عليهم الحقيقة، ترسل من يفرقهم ويهدد القضاء في عقر داره، تمعن في حرق عظام الأشلاء كي لا تفرِخ على كعبها ثوار، والأهالي لا ينصاعون، يتمردون، يصرخون، يتحدّون وحوش هذه البلاد ومحتليها، إذ ما عادوا يملكون سوى صراخهم، لا أحد معهم الا الرب وعدالته المتأخرة، لا أحد يساندعم الا الموجوعين مثلهم، في حين يشن عليهم “الممانعون”، مسلمون ومسيحيون، حملات التخوين والتشويه عبر صفحاتهم، لمجرد أن الاهالي الراقصين على ألمهم، يوجهون الاتهامات لميليشيا ايران وللعهد والسلطة التي تواطأت معها ومنعت التحقيق بعدما تعرض القاضي بيطار لأبشع أنواع التهديد كي يتراجع، وطبعًا لم يتراجع ولن يفعل. أربع سنوات مرّت على التفجير المدمّر لبيروت، والأهالي يصرخون، يُضطهدون، يُضربون، يُهددون ولا أحد يستجيب لصراخهم، تركوهم في مهب اللاعدالة، اللاإنسانية، عرضة للإهانات والاتهامات باستغلال دماء ضحاياهم، لمجرد أنهم لم ينسوا ولن ينسوا. هذه صورة مشوهة عن لبنان، صورة إرهاب يدمر مدينة ويمنع الضحايا من الصراخ، وإذا فعلوا فهم اذن مشروع شهداء جدد حتمًا، وملفهم سيبقى بأيدي الارهابي عالقًا الى أبد الابدين الى أن يغمره النسيان! هكذا يظنون، ولكن ظنهم سيخيب، إذ إن الأهالي لن ينصاعوا، وستبقى تحركاتهم، وهم قرروا أن ينقلوا صراخهم الى الفاتيكان، علّ الرب هناك يستجيب لهم أسرع، والقاضي بيطار بحسب المعلومات يستعد لإصدار القرار الظني، هذا هو لبنان الجريح المقاوم، الذي ما زال لديه رجالات شجعان لا يرضخون لحكم “القوي”، والقوي هنا جبروت السلاح والتهديد وليس أكثر، والقوي إياه الذي اغتال رفيقنا الياس الحصروني، وعلى الرغم من وجود الأدلة الدامغة عبر الكاميرات، طوى الملف الى غباره، وممنوع إزالة الغبار وإحياء المطالبة بالعدالة! ومع ذلك لم ينس رفاق الحصروني، المقاوم الجنوبي الكبير لسطوة السلاح، والذي رفض ترك أرضه وأهله وناسه، فقتلوه بدم بارد، لأنه يمثل حالة العيش المشترك في أرض يظنون أنها صارت ملكًا لهم، والأرض كلها لنا، لنا نحن اللبنانيين الأحرار، اغتالوا الحصروني وبقي الرمز والنضال للمطالبة بالعدالة، هذا ما يجمعنا في لبنان، نحن نُغتال مباشرة على الهواء وعندما نصرخ المًا يغتالون أشلاءنا.
حسبنا يا رفيقي يا ابن الجنوب المقاوم الا ننسى، الا ننسى لا 4 آب ولا الاغتيالات السابقة ولا باسكال سليمان ولا أنت بالتأكيد، هذه طريق أشواك رُسمت لنا، نمشي مع لبنان درب الصليب وكلما زادت اشواكنا كلما تماهينا مع آلام الرب يسوع، الى أن نصل الى خاتمة الرجاء، تمامًا كما رأينا وشعرنا في مشهدية بكركي الماطرة بإيمانها. ربنا لا ينسانا، في كل محنة أو منعطف خطير، يرسل لنا مندوبًا جديدًا ليبلغنا أن اثبتوا بإيمانكم وبأرضكم، هذه أرض وَقْف للرب، لن يمنحها هدية مجانية لأحد إلا لأبنائها الأوفياء، فقط الأوفياء، وأنا اؤمن.
