صحيفة النهار – روزانا بومنصف
تقارب حرب غزة على استهلال شهرها الحادي عشر فيما مدّ الحرب وجزرها يأخذ اللبنانيين من ضفة الى أخرى بين ترجيحات حرب محتملة وترجيحات استبعادها بناءً على موجات من المعطيات والمواقف ترجح خياراً على آخر مرة بعد أخرى. ولا شك في أن حجم الأسئلة التي لا أجوبة لدى أحد عنها كبير ويخلق ضبابية كبيرة ومخاوف كبيرة أيضاً. هذا ما يحصل خصوصاً بعد قصف مجدل شمس واغتيال إسرائيل فؤاد شكر في الضاحية الجنوبية وتهديد إيران المتواصل بالانتقام لمقتل رئيس المكتب السياسي لحركة “ح” إسماعيل هنية في طهران.
هل ما يوحي به المسؤولون الإسرائيليون من تهديدات بحرب تطاول جبهة الشمال الإسرائيلي أي جنوب لبنان جدية أم هي للاستهلاك أو للضغط؟ لا تزال بعض المعطيات الديبلوماسية تشير الى غلبة النقطتين الأخيرتين انطلاقاً من تجميع للوقائع والمعلومات يفيد بأن هناك أمراً مهماً يجري في الجانب الإسرائيلي وهو أن الرأي العام الإسرائيلي مؤيد للذهاب الى حرب ويستعد لمواجهة مع “الحزب” لعدم رغبته في تكرار ما حصل في عملية “طوفان الأقصى”.
ويعي رئيس الحكومة الإسرائيلي أن هذه الورقة تربحه ويلعبها بكل جدارة على رغم أنها تنطوي على خطورة تكمن في أنه إذا فتح حرباً في الجنوب اللبناني يمكن أن تنقلب عليه. لذلك يستفيد هو الى أقصى حد من عملية التصعيد إذ يربح أكثر وبكلفة محدودة شعبياً وسياسياً مدركاً أن إيران و”الحزب” لا يريدان حرباً موسعة ويراهن على هذا الموقف. ولذلك يرفع مستوى التصعيد ويستمر في رفعه الى درجة السير على حافة الهاوية فيكسب في الداخل فيما يظهر إيران والحزب في موقع ضعيف، مراهناً في الوقت نفسه على أن اللاعبين الكبار لا يريدون حرباً واسعة وأنهم عند نقطة خطورة انزلاق معينة يمكن أن يتدخلوا ليعيدوا اللاعبين الى مواقعهم السابقة.
لكن لا يجوز الاستهانة في الوقت نفسه بأن احتمال انطلاق حرب بين إسرائيل والحزب ليس مستبعداً بل إن هناك اتجاهات سياسية في واشنطن تعتقد أن الحرب حتمية وهي ستحصل مهما طالت الأمور لا بل من غير الممكن ألا تحصل انطلاقاً من الاقتناع بأن إنهاء حركة “ح” لن يضمن عدم قيامها من جديد بأشكال أخرى. ولكون إيران هي راعية الحركة وممولتها الرئيسية، فإن ثمة مقاربة لها محبّذون بقوة في الكونغرس الأميركي الذي بات أقرب الى الرأي الإسرائيلي المتشدد وحتى لدى المؤسسة العسكرية الأميركية لكن ليس في البيت الأبيض أو لدى الديموقراطيين الذين يواصلون منذ عهد الرئيس بارك أوباما سياسية احتواء إيران ومحاولة بناء الجسور معها. وتالياً هناك حماسة في مكان ما لضربة توجهها إسرائيل الى الحزب علماً بأن ظروف المرحلة لا تشجع على الانغماس في حرب إقليمية كبرى بالنسبة الى الولايات المتحدة وثمة تهيّب لما بعدها علماً بأن أميركا منشغلة بعمق بانتخاباتها الرئاسية.
ثمة في لبنان من اعتقد منذ بداية انخراط “الحزب” في الحرب تحت عنوان مساندة غزة بأن اللعبة ستبقى منضبطة على رغم مكوكيات الديبلوماسيين الأجانب خلال الأشهر العشرة الأخيرة منها لتوسع المواجهة. وهذا الاقتناع لا يزال قائماً بالاستناد الى أن لدى إيران موقعين أساسيين تستخدمهما بقوة في هذه المواجهة وهما “الحزب” في لبنان وذراع ايران في اليمن. والحزب يشكل أهم موقع وتريد المحافظة عليه لأنه جزء من قوتها الإقليمية ومرتبط بقدرتها على التأثير خارج حدودها. ولا شك في أن إسرائيل يمكن أن تبيع لبنان كله لتأخذ من الحزب ولا فارق لديها من يحكم لبنان أو يديره فيما محصلة اللعبة التي يقوم بها الحزب داخلية وهي لعبته الأساسية كسبب استراتيجي يتلخص في أن تكون له قيمة مضافة لدى إيران ولذلك يجب أن تكون لديه القدرة والقوة في لبنان لهذا الهدف، ويريد أن يحقق قدراً من المكاسب لقاء ما يدفع ثمنه على رغم أن الحزب وإيران يتعاطفان مع الفلسطينيين عقائدياً ولكنهما يستخدمانهم استراتيجياً.
هذا الجانب له تداعياته ويفتح باباً لصفقة يمكن أن تحصل على حساب لبنان ويجب التفكير فيها والاستعداد لها. وهذا بحث آخر. ولكن إيران تستفيد حكماً من موقف الولايات المتحدة على رغم أنه لا يُعتقد ديبلوماسياً أن التغيير الشكلي الذي حصل رئاسياً في إيران سيكون مؤثراً، علماً بأنه ينبغي انتظار نتائج الانتخابات الأميركية. لكن بدا لافتاً أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن تحدث قبل أسابيع قليلة عن أن إيران على بعد أسبوع إلى أسبوعين، من إنتاج ما يكفي من المواد المستخدمة في صنع أسلحة نووية، حيث تواصل تطوير برنامجها النووي، إلا أنه لم يعقّب على ذلك بنية واشنطن اتخاذ إجراءات للحؤول دون ذلك، علماً بأن هذه النقطة أساسية جداً على المستوى الدولي. وهو ما فسره البعض اعترافاً ضمنياً بان المواجهة مع النظام الإيراني ليست مطروحة وهذا يريح إيران.