كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء":
اسئلة كثيرة تطرح في الشارع وفي الصالونات السياسية عن السر الكامن وراء عجز الحكومة في معالجة العديد من الملفات اللصيقة بالحياة اليومية للمواطنين، طالما ان الاكثرية فيها تدور في فلك سياسي واحد، وإن كان اداء البعض فيها يختلف عن الآخر من حيث الشكل لا المضمون، وطالما ان الجميع يدرك مخاطر المرحلة المتأتية عن التطورات الدراماتيكية التي تعصف في المنطقة، والتي تطلب تحصيناً للوضع الداخلي لمواجهة اي رياح عاتية يمكن ان تلفح الداخل اللبناني في أي لحظة.
إن الوقائع السياسية اليومية توحي وكأن الوضع الحكومي غير صحي، وان هناك قطبة مخفية تعيق انطلاق هذه الحكومة التي يعلّق عليها جزء كبير من الشعب اللبناني آمالاً جمّة في التمكن من نقل لبنان من حالٍ الى حال افضل يتمكن من خلاله مواجهة الصعوبات.
فلا ازمة الكهرباء عولجت رغم وجود خطة متفق عليها في مجلس الوزراء، وهي وصلت اليوم الى مرحلة التوتر العالي من المماحكات وتبادل الاتهامات التي لا تؤدي إلا الى مزيد من التقنين واستيطان العتمة في منازل المواطنين واماكن عملهم، اضف الى ذلك موضوع التعيينات الادارية العالقة على خط بعبدا – الرابية بفعل الخلافات حولها بين رئيسي الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، والتي اخفق البطريرك بشارة الراعي في إحداث خرق في جدارها السميك.
وقد عبّر راعي ابرشية بيروت للموارنة المطران بولس مطر خير تعبير عن تشخيصه لهذه الخلافات التي تمنع التعيينات من ان تبصر النور، إذ سأل "ما اذا بتنا بحاجة الى جامعة أمم لتصلح بيننا ولنعيّن ناطوراً او مختاراً او مديراً عاماً"، في دلالة واضحة منه على عمق الهوة القائمة بين القيادات المعنية خصوصاً تلك الممسكة بملف التعيينات على المستوى المسيحي.
وقد زاد العماد عون في الاضاءة على مكمن العقدة التي تحول دون اجراء التعيينات، بإشارته بشكل واضح الى الخلاف القائم بينه وبين رئيس الجمهورية على الحصة المسيحية حينما اعلن ان الرئيس بدلاً من ان يكون حكماً يريد من حصتنا في التعيينات.
هذا الخلاف بين "الجنرالين" حول التعيينات يعيدنا بالذاكرة الي تأليف الحكومة حيث وقع الخلاف نفسه بينهما، فرئيس الجمهورية طالب بحصة في الوزراء المسيحيين والعماد عون رفض اشراكه في حصته، الى ان جاءت "الخلطة السحرية" وأثمرت تأليف الحكومة الميقاتية على النحو الذي هو عليه اليوم.
وفي رأي مصادر وزارية ان طريق انجاز التعيينات وعرة جداً، وان خلافات مستحكمة تحول دون اصدار اي دفعة منها، بعد ان بات من المتعذر صدورها سلة واحدة، موضحة ان كل الاتصالات التي جرت وفي مقدمها تلك التي يجريها البطريرك الماروني ما زالت تصطدم بالحائط بشكل يبعث على الاعتقاد بأن هذا الملف الموضوع على رف الانتظار منذ سنوات عديدة يحتاج نفض الغبار عنه معجزة المعجزات قياساً للعوامل المتشاكبة التي تتحكم به، بدءاً بتوزيع الحصص، وانتهاءً بالآلية التي يجب اعتمادها في هذه التعيينات، ففي الوقت الذي يتمسك الرئيس سليمان بالآلية التي تقول بأن الوزير يقدم ثلاثة اسماء ومجلس الوزراء يعين واحدا من بينهم للفئة الاولى، بينما الجنرال عون له وجهة نظر مختلفة تقوم على ان يسمي الوزير اسماً واحداً يأخذ به مجلس الوزراء لتولي الحقيبة الشاغرة.
ولا ترى المصادر في الأفق ما يوحي بإمكانية التوافق على التعيينات في المدى المنظور، وهذا الامر من شأنه ان يزيد السوء سوءاً في الادارات العامة العالقة في معظمها على حبال الخلافات بين المسؤولين.
وموضوع الموازنة العامة ليس احسن حالاً في رأي المصادر الوزارية التي تسأل عن المانع الذي يحول دون إقرار الموازنة العامة لهذا العام للتمكن من انطلاق الورش المتعثرة على كافة الصعد، منذ اكثر من خمس سنوات بفعل غياب الموازنة العامة نتيجة الازمة السياسية التي عصفت بالبلاد في تلك الآونة والتي ما تزال ارتداداتها حتى اليوم.
وتؤكد المصادر انه من غير الجائز ان يبقى البلد اسير الخلافات والتجاذبات السياسية، فالمواطن الذي يئن تحت وطأة أزمات حياتية بالجملة، لم يعد لديه القدرة على التحمل وهو بات يقف على عتبة الكفر بالطبقة السياسية التي تساهم في إغراقه والقضاء على مستقبل ابنائه.
وتلفت مصادر مطلعة إلى ان الخلل في الأساس يكمن في النظام الطائفي القائم على تقاسم الحصص، مشددة على انه اذا كانت هناك ارادة حقيقية لتجاوز الواقع الحالي، فالخطوة الاولى على هذا الطريق تتمثل في اقتلاع هذا النظام من اساسه، والانطلاق الى وضع قانون انتخابي عادل وعصري يؤمن التمثيل الحقيقي ولا يكون على قياس هذا الزعيم السياسي او ذاك او هذه الطائفة او تلك.
وبرأي هذه المصادر انه من العبث التفتيش عن حلول للأزمات المتوارثة ما دام كل مسؤول في هذه الدولة يغني على ليلاه، وطالما يضع نصب عينيه مصلحته ومصالح ازلامه ومنطقته وطائفته بغية الحفاظ على موقعه السياسي وعلى مكتسباته المادية، وهي ترى ان لبنان امام نوع من "الستاتيكو" الداخلي على كافة الصعد،"ان الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بانفسهم"، والى ان نصل إلى هذه المرحلة اللهم نجّنا مما هو آت لأنه اعظم.