.jpg)
يعبرُ الوطنُ في موسمِ شحِّ مصداقيّةِ الذين يتعاطَونَ الشّأنَ العمومي، فالمُتَزَعِّمُ الواحدُ يظهرُ بعدّةِ سُحنات، بحيثُ يتحكّمُ بأدائِه التّناقض، ولا يَرسو سلوكُهُ إلّا على الكَذِبِ، وهو خيارُه اليتيم. أمّا الصَّوتُ العالي النّبرة، فلا تتدحرجُ كلماتُهُ من الرّأسِ الى اللِّسانِ الذي هو ترجمانُ العقل، بل ينطلقُ من مواقعَ بعيدة عن مكانِ إقامةِ ” الصّائِت ” الذي يتلقّى في حَلقِهِ ما يُؤمَرُ بنُطقِه.
في خيمةِ التّهريجِ حيثُ ” الصّائِتون “، وهم جماعةُ التلَقّي، والادِّعاءِ، والمراوغة، صارَ الإعلانُ عن إفلاسِهم من الماضي، فهم يعرفون، تماماً، أنّه حيثُ يكونُ الصَّوتُ، وليس الصَّدى، يكونُ القرار، فعبَثًا قولُهم إنّ صوتَهم من رأسِهم. فهم ليسوا، في حقيقتِهم، إلّا حَلقَ ببَّغاء، وما يدعو الى الهزءِ أنّ مُصَفِّقيهم الغائبين عن الوَعي، يوهمون البَبَّغاءَ بأنّه كنارٌ شادٍ، يَطربونَ لتَغريدِهِ، فيَزهو.
في خيمةِ التّهريج، صورةٌ لمُرسِلٍ بعيدٍ باتَ مُنكشِفًا في ما يرمي من أهدافٍ مدمِّرةٍ للوطنِ، كيانًا، وهويّةً، وسيادةً، ودولة. وفي الخيمةِ، أيضًا، ” صائتون ” مُتَقَبِّلون، احتُلَّت مناطقُ التّفكيرِ، والاستدلالِ، في جماجمِهم، فمُحرِّكوهم البعيدون ليسوا مبتدِئين في الاقتصاصِ من عناوينِ العقلِ، والإرادة. واستنادًا، باتَ مستحيلًا الأملُ في خضّةٍ مفصليّةٍ تُعيدُ ” المُخَيِّمين ” الى الصحّةِ الوطنيّة، والى الاعتدالِ العقلي، بعدَ أن استشرى المَسُّ التّرويضيّ في سلوكِهم، فصاروا المرتعَ الخصبَ لترويجِ الشِّعاراتِ المقنَّعة، وتَمويهِ الفساد، والفضائحِ، وارتكاباتِ الأخطبوطيّةِ المافياويّة، وتَبنّي مشروع بطانةِ السّوء، ما يَمنعُ، على الإطلاق، قيامةَ وطنٍ نظيف.
في خيمةِ التّهريج، طُفّارُ الفظائع، جلّادون، وهم منظومةٌ بَشِعةٌ تمنحُ ولاءَها لشُرعةِ قايين، وتفرضُ طقوسَها على مساحةِ الناس، إجرامًا وتعدِّيات، وكَتمًا للأنفاس، مفتونةً بثقافةِ السّكاكين. وليس ذلك، بالطَّبع، سوى هستيريا نَحْرٍ تفتكُ بالوطنِ البريء، وهي تصدرُ عن سفّاحين عُنفِيّين، يراكمون الضّحايا، من دونِ أن يرفَّ لهم جَفن. أمّا المُقَزِّزُ فهو تَقَمُّصُ هؤلاءِ دَورَ المُدَّعي، والقاضي، ومُنَفِّذِ الحُكم، في غرفةِ عمليّاتٍ تنتسبُ الى مجتمعِ الغابِ في وحشيّتِها، وهمجيّتِها، وانحطاطِها، ما جعلَ الوطنَ قبرًا مفتوحًا على الدَّوام.
في خيمةِ التّهريجِ، اغتيالٌ لرزانةِ التّفكير، ولدقّةِ النّباهة، ولقاعدةِ الاتّزانِ العقليّ اللّائق. إنّ قاموسَ الشّتائم، والاتّهامات، والإسفاف، وتَلَوّثِ الكلام، ورَشقِ الآخرينَ الذين يغرِّدون خارجَ سَربِ الوصاية، بالعمالة، والخيانة، هو مرجعُ أولئك المهرِّجين الذين فاتَتهم الرّزانةُ العقليّةُ اللّائقة، ولم تبلغْ شَطَّ جماجمِهم الملوَّث، موجاتُ النّقاءِ الأخلاقيّ.
في خيمةِ التّهريج، جماعةٌ قائمةٌ على الجريمة، هي خليطٌ باهِتُ القيمة، من سياسيّينَ خُبثاء، وزعامَتوِيّين مُتلطّين خلفَ واجهةٍ كاذبة، يديرون أنشطةً غيرَ مشروعة، من تزويرٍ، وتَهريبٍ، وتبييضِ أموال، والإتجارِ بالأسلحةِ والمخدّرات، واستغلالِ المالِ العام، وعقدِ الصّفقاتِ المشبوهة، وجَنيِ السّمسراتِ، والرّشوة، والتسلُّلِ لاحتكارِ قرارِ الحربِ والسِّلم… كلُّ ذلك ليس سوى كابوسٍ مُتعاظمِ الخطورة، ولكنْ، لم يعدْ يمرّ ولَو صيغَ له ألفُ حجّةٍ سفسطائيّة، ولَو وقفَ خلفَهُ سلاحٌ بألفِ صاروخ، فالشّعبُ تائقٌ الى وطنٍ حُرٍّ، ودولةٍ قادرةٍ قويّة، وهو يكتبُ، بخَطٍّ عريض : ” لا لخيمةِ التّهريجِ… نعم للنّضالِ لاستعادةِ الوطن السيّد “.