ثلاثة أمور تقلق لبنان والمعنيين به
المسؤولون اللبنانيون والدول الأجنبية المعنية بلبنان لا ينظرون بارتياح الى التصريحات الاخيرة لمسؤولين اسرائيليين كبار في مقدمهم رئيس الوزراء ايهود اولمرت تعليقا على البيان الوزاري الذي نالت على اساسه "حكومة الوحدة الوطنية" ثقة مجلس النواب. ذلك ان هذا البيان كرّس شرعية المقاومة وطبعاً اعترف لها بالحق في الاستمرار في مقاومة اسرائيل سواء لتحرير ما تبقى من اراض لبنانية محتلة او للدفاع عن لبنان في ظل استمرار تهديداتها له ولمحيطه العربي بعد التحرير. وهذا التكريس يعطي الحكومة الاسرائيلية الحق في مواجهة تهديدات المقاومة وعمودها الفقري "حزب الله" ليس بتسديد ضربات عسكرية اليه فقط، وانما بجعلها تشمل كل لبنان ببناه التحتية وشعوبه عقابا له ولها على تبنّيه موقف المقاومة والامتناع عن تقييد حركتها واخضاع قرارها بل قواتها لدولة لبنان، علما ان الامتناع المذكور قد يكون دافعه العجز اكثر من أي شيء آخر.
والمسؤولون اللبنانيون والدول الاجنبية المعنية بلبنان لا ينظرون بارتياح ايضا الى تناول اسرائيل يوميا في وسائل اعلامها وفي تصريحات قادة بارزين فيها موضوع حصول "حزب الله" على صواريخ أرض – جو يستطيع بواسطتها وقف الانتهاكات الجوية الاسرائيلية للأجواء اللبنانية وذلك بواسطة استخدام هذه الصواريخ في حال صحت المعلومات عن امتلاكه اياها، ليس لأنهم يحاربون اسرائيل ويكرهون مقاوميها وقائدهم "حزب الله" بل لأنهم يخشون ان يبادر هذا الحزب سواء بقرار ذاتي منه، على استبعاد ذلك، او بقرار موحى من سوريا وايران الى بدء عملية الدفاع الفعلي بصواريخه عن اجواء لبنان. ومبعث الخشية ليس الحرص على طائرات اسرائيل او على هيبتها، بل الخوف من رد فعلها الذي قد يكون تدميرياً للبنان وعلى نحو كبير جدا. ولن يعوض هذا التدمير احتمال اقدام المقاومة على تنفيذ تدمير مماثل او على الاقل مشابه داخل اسرائيل بصواريخ أرض – أرض قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى.
والمسؤولون اللبنانيون والدول الاجنبية المعنية بلبنان لا ينظرون بارتياح اخيرا الى الشكوى الاسرائيلية المستمرة من عدم توقف سوريا، وايران بواسطتها، عن تهريب السلاح المتنوع والمتطور والذخائر الى "حزب الله" عبر الحدود اللبنانية – السورية. وهذه الشكوى بعضها علني وتنقله وسائل الاعلام في اسرائيل وفي معظم انحاء العالم، لكن بعضها الآخر سري اذا جاز التعبير اي يجري داخل الغرف المغلقة وفي المحادثات التي تجرى بين المسؤولين الاسرائيليين ونظرائهم الاجانب ومع القيادات المعنية في الامم المتحدة وفي القوة الدولية المعززة المرابطة في جنوب لبنان. والبعض السري هذا هو الأخطر. ذلك ان اسرائيل تصر على ان التهريب لم يتوقف، وعندما يطالبها محاوروها بتقديم أدلة وبراهين دامغة توزع عليهم صوراً. لكن هذه الصور لا تقنعهم كما لا تقنع أحداً لانها تظهر شاحنات كبيرة مقفلة تعبر الحدود البرية الرسمية بين لبنان وسوريا وكذلك المعابر غير الرسمية. الا انها لا تظهر السلاح الذي تزعم اسرائيل انه مخبأ او مغطى داخل الشاحنات.
والمقلق ان المسؤولين الاسرائيليين قد يقومون في حال وثوقهم من معلوماتهم عن الأسلحة المهربة المشار اليها او في حال اتخاذهم قرارا بتوجيه ضربة الى لبنان تنهي استقراره او تطلق شرارة الاقتتال والمشكلات فيه بأعطاء الأوامر الى طيرانهم الحربي بقصف الشاحنات المشتبه فيها محاولين بذلك كشف حمولتها وتعريض "حزب الله" وداعميه بالسلاح والمال، ايران وسوريا، الى الانتقاد الدولي وربما الى ما هو اكثر من ذلك.
هل الشعور المقلق بعدم الارتياح عند المسؤولين اللبنانيين والدول الاجنبية المعنية بلبنان المفصل اعلاه في محله؟ وكيف يمكن تلافي ما يكوّنه؟
"لا شك في انه في مكانه"، تجيب مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة، بدليل التصريحات التهديدية، سواء من اسرائيل او "حزب الله" او رعاة الاثنين من خارج. لكن تلافي ما يكوّنه او ما يدفع اليه مسؤولية الفريقين معاً، اي اسرائيل ولبنان، او بالأحرى مقاومة "حزب الله" فيه، كونها لا تزال تتمتع بـ"الاستقلال" التام في كل شيء رغم كل "التطورات" الايجابية التي شهدها لبنان اخيرا. وهذا يعني ان على الحزب ان يمتنع عن محاولة وقف الانتهاكات الجوية لسيادة لبنان باطلاقه صواريخ ارض جو على الطائرات الحربية الاسرائيلية تلافياً لرد فعل منها بالغ القوة ويختلف عن ردها عام 2006 الذي تسبب لها بالهزيمة. وهو يعني ايضا ان على اسرائيل الامتناع عن قصف شاحنات كبيرة ومغطاة لمجرد انها تشتبه في نقلها اسلحة للحزب من سوريا او عبرها من ايران. فهذا الامر قد لا ينجح في اثبات اتهاماتها، كما انه قد يوقع ضحايا مدنية. ولا بد ان يدفع المقاومة الى الرد بقسوة وشدة "فيفلت الملق" وينزلق الجميع نحو الحرب.
طبعا لا تعني هذه المعادلة اننا نساوي المقاومة الاسلامية لـ"حزب الله" باسرائيل بدعوتها الى عدم التصدي للانتهاك الاسرائيلي لأجواء لبنان. فهذا الانتهاك مرفوض ومدان ولبنان يقوم بكل ما يستطيع وعليه ان يقوم بكل ما يستطيع لوقفه. لكن وقفه لا يتم باستعمال صواريخ ارض جو من لبنان، بل بوسائل اخرى، لأن الصواريخ قد تطلق حربا شاملة في حين ان لبنان ليس محكوما عليه العيش في حرب شاملة الى ابد الآبدين وخصوصا بعدما نجح في تحرير معظم أرضه المحتلة وصار أقرب الى تحرير المتبقي تحت الاحتلال بالوسائل الديبلوماسية، وانْ تطلب ذلك بعض الوقت.