
على الرغم من أن مخاوف اللبنانيين تتركز في هذه الفترة على التصعيد الخطير وتدحرج الأوضاع على الجبهة الجنوبية باتجاه المواجهة الشاملة، غير أن ثمة استحقاقاً آخر بات قريباً لا يقل خطورة بتردداته ويتعلّق بتوقعات معظم الخبراء الاقتصاديين والماليين وترقبّهم لقرار مجموعة العمل المالي الدولية FATF، بإدراج لبنان على اللائحة الرمادية وضمّه إلى قائمة الدول غير المتعاونة كفاية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفق معايير المنظمة الدولية وقواعدها، علماً أن عدداً كبيراً من المسؤولين والمعنيين غير بعيدين عن أجواء الترقب الحاصلة، وتوقعات ومخاوف البعض منهم تصبّ فعلاً باتجاه الخشية من إدراج لبنان على اللائحة الرمادية.
عدد من الخبراء الماليين والاقتصاديين في هذه الأجواء، وفق ما أشاروا لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، لافتين إلى أن “لبنان أُعطي الفرصة تلو الأخرى طوال السنوات الماضية لتصحيح أوضاعه وإقرار الإصلاحات المطلوبة للخروج من الأزمة، سواء من قبل مجموعة العمل المالي الدولية أو غيرها من مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. غير أن ما تم تحقيقه لم يكن بالقدر المأمول في نواح معينة وشبه معدوم في نواح أخرى. بالتالي، لن يكون مفاجئاً إدراج لبنان على اللائحة الرمادية من قبل مجموعة العمل المالي الدولية FATF”.
يضيف الخبراء: “حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري قام بجهود كثيفة لمحاولة إبعاد لبنان عن اللائحة الرمادية، وربما لمس بعض التفهُّم لدى بعض المسؤوليين الماليين الذي التقاهم في زياراته واجتماعاته في الخارج، لكن يبقى أن القرار لدى المجموعات والمؤسسات الدولية المالية يُتخذ بناء على قواعد ومعايير ثابتة تُطبّق على مختلف البلدان، حتى ولو أُعطيت بعضها فرصة أو فترة سماح لتصحيح أوضاعها، ومجموعة العمل المالي الدولية لا تشذّ عن هذه القاعدة، وفي حال اتخذت قرارها بإدراج لبنان على اللائحة الرمادية فسيكون ذلك وفق المعايير التي تتّبعها”.
الخبراء يأخذون في الاعتبار تطمينات منصوري إلى أن سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، مستقر منذ آب العام 2023، وطمأنته اللبنانيين إلى أن الحديث عن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية FATF تبعاً لتصنيف التقيّد بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مبالغ فيه، وأن الوضع ليس بهذه الخطورة وزياراته المكوكية إلى الخارج حقّقت بعض النتائج. لكن الخبراء يفضّلون “التحفّظ حول درجة الاطمئنان ومنسوبه وعدم الإفراط في الطمأنة والتفاؤل”.
الخبراء يتلقّفون “بقدر من الإيجابية بعض المعلومات المتداولة عن نجاح منصوري في تأمين أستمرار التعامل مع ستة مصارف مراسلة في الخارج، حتى ولو تم إدراج لبنان على اللائحة الرمادية”، لكنهم يسألون: “إلى متى يمكن أن يستمر هذا الأمر؟، هل هو محسوم ولفترة مفتوحة في حال أُدرج لبنان على اللائحة الرمادية من دون سقوف زمنية؟، وماذا لو تطورت الأوضاع في لبنان نحو الأسوأ وتوسّعت المواجهات ودخلنا في نفق مظلم في ظل فراغ رئاسي، وحكومة تعمل بالحد الأدنى مصحوباً بالتخبط، وشبه شلل نيابي، وتحلل مؤسسات الدولة، هل يبقى من مكان للاطمئنان إلى استمرار التعامل مع المصارف المراسلة فضلاً عن استقرار سعر صرف الليرة مقابل الدولار؟. أسئلة بحاجة إلى أجوبة واضحة ومصارحة الرأي العام بشكل مباشر”.