.jpg)
اسمها الشائع “المارونية السياسية”، غير أن تسميتها الحقيقية “المارونية الحضارية”، فالقرار السياسي لم يكن بعد ميثاق 1943 حكراً على الطبقة السياسية المارونية فحسب، بل كان توافقياً إجماعياً بين المسيحيين والمسلمين ككل، بموجب أعراف دستورية تأسيسية يُستحال الإخلال بها تحت طائلة المّس بوحدوية النظام، وتعريض وحدة لبنان للخطر.
المارونية السياسية كانت إذاً جزءاً من توافقيةٍ سياسية أكبر يتشارك فيها داخلياً، السنّية السياسية، والدرزية السياسية، والشيعية السياسية حينها، بموجب الصيغة والميثاق، ويتحكّم بها داخلياً وخارجياً، الفلسطينية السياسية والسورية السياسية، بموجب “دستور” السلاح وموازين القوى واستقطاب شرائح لبنانية مُضلّلة، للضغط على النظام السياسي، بغية أخذه في الاتجاه الذي يخدم مصالح هؤلاء.
المارونية السياسية المزعومة كانت إذاً شمّاعةً استخدمها المنادون بنزع الامتيازات السياسية المارونية، غير الموجودة أصلاً، لتقويض استقرار لبنان وضرب ديموقراطيته وجعل نظامه خشبياً مكبّلاً بالسلاسل أسوةً بالأنظمة الديكتاتورية المحيطة. فرئيس الجمهورية سليمان فرنجية، وفي خضّم حقبة المارونية السياسية المزعومة، أخفق في إصدار الأوامر للجيش اللبناني، بوصفه رئيسه الأعلى، لنزع سلاح التنظيمات الفلسطينية عام 1973، وذلك بعد تعرّض الدولة اللبنانية لتهديدٍ مباشر من محور الممانعة القديم، خصوصاً نظام الأسد، ممّا دفعه لطلب عقد لقاءٍ عاجل مع الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل وقياداتٍ مسيحية ثانية، طالباً منها تنظيم المقاومة اللبنانية، بعدما أيقن بالدليل الملموس أن كل صلاحيات رئيس الجمهورية في نظام “المارونية السياسية” المزعومة، كانت مجرد صلاحياتٍ إسمية غير فاعلة وغير تقريرية، وخصوصاً بالنسبة للقرارات المفصلية.
أيضاً، عندما قرر الرئيس فرنجية قبلها تعيين أمين الحافظ رئيساً للحكومة لتناغمه السياسي معه، مكتفياً باستشاراتٍ نيابية غير ملزمة، كما كان ينص على ذلك نظام “المارونية السياسية” المزعومة قبل الطائف حينها، قامت قيامة التنظيمات المسلحة الفلسطينية التي ألّبت الشارع الإسلامي عليه، مما أجبر الرئيس الحافظ على الاستقالة بعد أيامٍ معدودة، فيما وقف فرنجية عاجزاً عن استبداله بإسمٍ آخر بالطريقة ذاتها.
ولما كانت “المارونية السياسية” منذ عام 1943، مكبلّة في السياسة وعاجزة عن تحييد لبنان حمايةً لنظامه الحر وصوناً لنموذج العيش المشترك الحضاري بين أبنائه، وتطوير هذا النظام نحو الأفضل، انكبّ المسيحيون ومعهم كوكبةٌ من المسلمين اللبنانيين الوطنيين المحبيّن للازدهار والاعتدال والحرية، على الانخراط في تطوير الأبعاد الثقافية والحضارية والاقتصادية والإنمائية والسياحية في لبنان، فأنبتت براعم زرعهم هذا “سويسرا الشرق”، والزمن الجميل، والبحبوحة المالية، والنهضة الثقافية والعمرانية والصناعية، وهو مسار كانت المارونية الحضارية قد بدأته منذ مدرسة روما المارونية عام 1584م، مروراً بمطبعة قزحيا، ولاحقاً مع الرهبانيات اللبنانية، والأدباء والمفكرين روّاد النهضة والصحافة واللغة العربية في الشرق، من المعلم بطرس البستاني، واليازجي، ونعيمة، وجبران، وصولاً إلى شارل مالك وفؤاد افرام البستاني وهلّم جراً… وحبذّا لو استطاعت المارونية الحضارية بالاشتراك مع كل اللبنانيين المحبيّن للسلام والازدهار من تحويل سويسرا الشرق سياحياً واقتصادياً وإنمائياً، إلى سويسرا الغرب سياسياً وعسكرياً وأمنياً، غير أن الاقتصاد والازدهار في لبنان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالسياسة، لذلك استطاع محور الممانعة القديم من إسقاط سويسرا الشرق حضارياً، ومنع قيام سويسرا الغرب سياسياً وعسكرياً، مشعلاً حرب “الوطن البديل” ورمي اللبنانيين في البحر عام 1975، ثم جاء محور الممانعة الجديد- القديم بعد عام 1990 فاحتكر كل الطائفيات السياسية بمفرده موصلاً لبنان إلى ما هو عليه اليوم.
بمختصر مفيد، الفارق بين المارونية السياسية المزعومة ومحور الممانعة السياسية، الذي يُمعن في تشويه سمعة الأولى وضرب صورة الزمن الجميل، ليُبرّر لنفسه إيصاله لبنان إلى زمنٍ شنيع، هو أن المارونية السياسية لم تحكم فعلياً في زمن الجمهورية الأولى، ولم تتمكن من وضع “سياستها” موضع التنفيذ، ولم تستطع منع إعلان الحروب الآحادية، لا في الداخل ولا في الخارج، وكانت في حقيقتها “مارونية حضارية تطويرية”، بينما محور الممانعة السياسية حكم لبنان جزئياً في الجمهورية الأولى، وحكمه كلياً في الجمهورية الثانية، فأعلن الحروب الآحادية، وأقفل المؤسسات “بلا شورى ولا دستور”، وعطّل البلد، وأقام منظومة فسادٍ شريرة، وأوصل لبنان إلى الفراغ والانهيار والعزلة عربياً ودولياً، وكان محوراً سياسياً وعسكرياً فحسب، أمّا الممانعة الحضارية والاقتصادية والثقافية والتطويرية…فحدّث ولا حرج.