صحيفة النهار -روزانا بومنصف
انتقلت الحرب في الجنوب من حرب “مساندة” لحركة “ح” في غزة إلى حرب مباشرة بين إسرائيل و”الحزب” يخشى أنها باتت تستدرج حتى الآن الجنوب والبقاع ومناطق وجود الحزب على الأقل، مستتبعة انعكاسات خطيرة لها ارتداداتها على لبنان ككل مع مخاوف كبيرة أن تستدرج حربا أكبر في المنطقة إذا شعرت إيران بأنها تحتاج إلى التدخل لإسناد الحزب ومنع انكساره، أو العكس بالنسبة إلى الولايات المتحدة مع إسرائيل.
هذا التصعيد الخطير تعاظم، فيما توجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى نيويورك في أول إطلالة دولية له بعد انتخابه قبل أشهر، للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة حيث يتشارك أول صورة مع الأمين العام للمنظمة الدولية انطونيو غوتيريس. ويتزامن ذلك وإعلان وزير خارجيته #عباس عراقجي أن إيران مستعدة لبدء محادثات نووية في نيويورك، مع مفارقة أن رئيس حكومة تصريف الأعمال #نجيب ميقاتي اضطر تحت وطأة الحرب المستعرة إلى إلغاء زيارته نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية وإلقاء كلمة لبنان.
وصلنا إلى حرب أوسع نطاقا بين الحزب وإسرائيل بحيث بات التصعيد الخطير يشارف الحرب الكارثية التي تم السعي إلى تجنبها خلال أحد عشر شهرا. وخطورة هذا الأمر تستدعي حكما تدخلا خارجيا يمنع توسع الحرب، ولا سيما تدخلا أميركيا عبر إيفاد الموفد الأميركي إلى المنطقة آموس هوكشتاين. ويخشى ألا يكون هذا الأمر محتملا استنادا إلى تكرار الأمين العام للحزب في خطابه الأخير في 19 أيلول بعد انفجار البنية التحتية للاتصالات لديه، تمسك الحزب بعدم إنهاء الحرب من الجنوب ربطا بغزة، وان هذا الامر غير قابل للتفاوض ولا سيما بعد خسارته قادته الميدانيين، فيما المفاوضات هناك باتت مجمدة بالحد الأدنى، بما يجعل الأمور تراوح مكانها على الصعيد السياسي.
ولذلك فإن السؤال الأساسي هو: هل تفتتح إيران من نيويورك حملتها الديبلوماسية بالتحاور مع الدول المؤثرة حول تهدئة جبهة الجنوب والمساومة للضغط من أجل ملفها النووي؟ هذا الهاجس عن تغييب لبنان سياسيا وضعفه وعدم وجود سلطة قوية فيه وامتلاك إيران راهنا أوراق القوة والنفوذ فيه بحيث يقرر الآخرون عنه، لازم ويلازم دوما أوساطا سياسية لبنانية عدة ولا سيما إذا وصلت الأمور إلى درجة كبيرة من الخطورة يستشعرها الخارج. ولا يلام اللبنانيون على هذه المخاوف نتيجة النصائح التي قدمها ديبلوماسيون كثر إلى لبنان بوجوب انتخاب رئيس للجمهورية، فيكون لبنان جاهزا حين يحصل أي تفاوض في المنطقة.
والحال أن تعزيز الأوراق والمواقع يجري في حمأة انتخابات رئاسية أميركية تنافسية بقوة ورئيس أميركي يمكن أن ينهي الأشهر الأخيرة من ولايته بإرث غير موفق، ليس على صعيد العجز عن فرض وقف للنار في غزة، بل ربما إزاء إمكان الانتقال إلى حرب في المنطقة جهد بقوة خلال ما يقارب السنة لتجنبها. ومن هنا احتمال بروز فرصة من نيويورك لتهدئة الجبهة الجنوبية إذا تعذرت العودة إلى الانطلاق من غزة قبل موعد الانتخابات الأميركية في 5 تشرين الثاني المقبل. واستتباعا، يبرز السؤال لحزب: إذا كانت حرب “المساندة” فرضت عليه أكلافا باهظة غير محدودة، فما ستكون الأكلاف لحرب مواجهة مباشرة؟ وهل من تفكير غير انفعالي في ذلك؟
ولعل اللافت في كل ما حصل أخيرا أن “الحزب” اضطر إلى أن يسرب على نحو غير معهود أسماء بدائل قادته الذين استهدفتهم إسرائيل، في حين أن هرمية قيادته ظلت طويلا جزءا من هالته السرية، وقد انتقل حديثا إلى الكشف عن ذلك بعد انكشافه بقوة أمام الاستخبارت الإسرائيلية، وتاليا، يصعب أن يكون انتقال إسرائيل إلى الضغط عبر حملة تبعد سكان قرى الجنوب وتطاول مناطق البقاع مغايرا لأهدافه، وقد غدا في موقع دفاعي أكبر من ذي قبل. فهو لا يود النظر إليه ضعيفا لارتداد ذلك عليه في الداخل والخارج على حد سواء، بالإضافة إلى ما يعكسه الأمر على موقع إيران وقوتها في المنطقة استنادا إلى موقع الحزب في محور نفوذها.
والحزب نفسه الذي برر خلال أحد عشر شهرا من الحرب في غزة دخوله الحرب بالتوازن الإستراتيجي في المنطقة، لا يستطيع إلا أن يدفع بالأمور إلى الأقصى، وهو سبق أن أعلن ذلك أيا تكن الأكلاف والتبعات على كل المستويات على لبنان واللبنانيين، وفق قوله.