#adsense

المركب البعثيّ يغرق.. نتيجة لحمولته الزائدة

حجم الخط

تسارع الزمن الثوريّ السوريّ بشكل كبير في الأسبوعين الماضيين. سقطت إلى غير رجعة تلك النظرة "المتثائبة" إلى الوضع في الداخل السوريّ بأنّه "يراوح مكانه"، وإلى التفاعل العربيّ والإقليميّ والدوليّ مع هذا الوضع على أنّه أسير "مرحلة ركود". وفي المقابل، بدا هذا التسارع أقرب إلى إسناد التحليل الذي سبق وأن أجملناه تحت مسمّى "جمعة الرأس"، والذي كان الهدف منه تبيين أن الأمور تتجه إلى التهديف، مباشرة، على رئيس النظام البعثيّ بشّار الأسد، بقصد خلعه، ابتداء من استصدار إجماعات عربية وغربية ودوليّة تعمل على تنحيّه، ووصولاً إلى تخييره لاحقاً بين أحد سيناريوهين: إمّا مغادرة سوريا، هو وعائلته، وإمّا إلقاء القبض عليه وسوقه للمحاكمة، ومعاملته على أنّه ثالث ثلاثة، من بعد مانويل نورييغا، ولوران غباغبو.

يعني هذا التسارع في الزمن السوريّ، أنّ الهدف المرحليّ تحدّد بوضوح الآن، داخلياً وخارجياً: وضع حدّ لرئاسة بشّار الأسد للدولة السوريّة، وفتح باب "الحلّ السياسيّ" فقط بعد رحيل الأسد، وليس قبل ذلك.
في المقابل، واستباقاً لهذا "الحلّ السياسيّ" الذي لا يمكنه أن يكون إلا على حسابه، جرّب الرئيس بشّار الأسد في الأيّام الماضية مغامرة "الحسم الأمنيّ" الذي تبارى أقزام الممانعة من الجنسيات كافة لتحريضه على الإقدام عليها، وهي مغامرة كانت تدور في باله من الأساس، ولا يبدو أنّها كانت تحتاج لتحريض.

وهكذا جرّدت الحملة الدمويّة النوعيّة الأخيرة للجيش البعثيّ الفئويّ على أبناء الثورة السوريّة والجيش السوريّ الحرّ، بعد أن كان ظهور الرئيس بشّار الأسد في ساحة الأمويين، ثم الكلام الأخير لوزير خارجيته وليد المعلّم، إيذاناً لها. علماً أنّ ظهور الأسد في ساحة الأمويين، كان أشبه ما يكون بأسلوب العماد ميشال عون في أيّام قصر بعبدا، وبأسلوب العقيد معمّر القذافي في الساحة الخضراء.

هذه الحملة الدمويّة النوعيّة الأخيرة شهدت تعديلاً في "النظريّة البشّارية". فهذه النظريّة كانت تقوم في الأساس على صون وحدة النظام الفئويّ البعثيّ من خلال غلة دمويّة يجري تحصيلها يومياً من رقاب السوريين، من عشرين إلى خمسين شهيداً كل يوم، لا يزيدون عن هذا المنسوب كثيراً ولا ينقصون. وعنت الحملة الدمويّة الاخيرة رفعاً متصاعداً لهذا المنسوب.

وهكذا جرى الإستعاضة عن هذه النظريّة الأولى، بواحدة أخرى، تتلخّص في طمأنة البال (البعثية الفئويّة) بأنّ ما تجري مواجهته اليوم قد سبقت رؤيته مرّتين على الأقل من قبل، أوّلاً بين العامين 1963-1964، عندما كان على "البعث" في أوّل نكبة سوريا به، أن يقمع انتفاضة الناصريين في دمشق، ثم انتفاضة جامع السلطان في حماة، ثم انتفاضة جامع خالد في حمص، وغيرها من حالات الإنتفاض والتمرّد في طول البلاد وعرضها، مع تزايد استشعار النسيج الأكثريّ السوريّ بصعود نظام شموليّ وفئويّ في آن. والمرة الثانية هي في نهاية السبعينيات، وبداية الثمانينيات، والتي توّجها النظام البعثيّ، بالإبادة الجماعية لعشرات الآلاف من أبناء مدينة حماة. (شباط 1982، انها الذكرى الـ30)

وهكذا طمأن النظام نفسه، بعد ما يقارب العام إلا قليلاً من انفجار الثورة بوجهه، أنّ بمستطاعه اللجوء إلى "الحسم الأمنيّ"، كما اعتمده البعث في مرحلة تشكّل نظامه الفئويّ الشموليّ في سوريا، ثم في مرحلة الثمانينيات. ولم يكترث أهل النظام هنا كثيراً إلى سياقات اختلاف الأمر هذه المرة، بين الزلزال المشترك الذي اسمه "الربيع العربيّ"، وبين اختلاف الوضع العالميّ، وثورة الإتصالات والمعلومات، والثورة في القانون الدوليّ بعد البوسنة وكوسوفو وراوندا وسيراليون وغيرها.

والأهمّ من ذلك أنّ النظام البعثيّ لم يتنبّه إلى أنّه في الستينيات، كما في الثمانينيات، لم يتمكّن فقط من حسم الأمر أمنيّاً، بل كان عليه أن يدفع من نسيجه الخاص في كل مرة، أي أن يضحّي ببعض ووجوهه، لأنّه من دون ذلك لا يمكنه أن يظهر إلا كإستعمار داخليّ مكشوف للأكثريّة المذهبية والأهليّة من السوريين. أمّا الآن، فلا يسع هذا النظام ذلك. في الستينيات، لم يتأمّن "الحسم الأمنيّ" إلا بانقلابات داخليّة ضمن العصابة إيّاها، التي كان اسمها في وقت من الأوقات "اللجنة العسكريّة السرّية". وفي الثمانينيات، لم يستكمل "الحسم الأمنيّ" إلا بإبعاد الأسماء المحروقة ضمن "العائلة الحاكمة" نفسها، أو على رأس بعض الأجهزة الأمنيّة. الآن، كل هذا صار صعباً للغاية. البعثيّون يدركون جيّداً هذه المرّة أنّ لا أحدَ منهم سينجو من فعلته، وأنّ لا أحد منهم قادر على التضحية بأحد آخر كي يفلت هو بالحكم ويتربّع على عرشه. البعثيّون هذه المرّة يتصوّرون أنّ التزامهم بمركب واحد هو دليل قوّة، ويترجمون ذلك في زيادة الجرائم ضدّ السوريين. لكنّهم بذلك لا يقومون إلا بدفع مركبهم أكثر فأكثر إلى الغرق، في طوفان الدماء التي تسيل، دون أن يكون بمستطاعهم هم أن يخفّفوا من هذه الحمولة الزائدة، بالتخلّص من بعضهم البعض كما كان "الحل الأمنيّ" يتطلّب سابقاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل