#dfp #adsense

بيارق.. يا بيارق! إنَّهم كشَّافة الحريّة

حجم الخط

كشافة الحرية
كشافة الحرية
كشافة الحرية
كشافة الحرية

آب 1907 أطلق اللورد الإنكليزي روبيرت ستيفرسون سميث بادن، اول نداء أراده جامعةً مفتوحة الإيمان والعقل والروح والأبواب لشبيبة العالم أجمع يدخلونها طَلبة صفوف ابتدائية ويتخرَّجون منها طلاَّب اكتشاف لا محدود لعمقِ وأبعاد فلسفة “ثلاثية السين”: مواطن سعيد، سليم البنية، ساعٍ لمساعدة الغير.

إنَّه النداء الشعلة التي واكبت بصائر آلاف الآلاف من شبيبةٍ التحقت بالنور الذي أرشدها العودة إلى مطارح ما زالت مستقلَّة عن صخب مجمَّعات الضوضاء الفكرية والسَّمعية والبصرية. هي الأمكنة الوحيدة الآمنة كي يكتشفوا فيها خلايا الولادة من بكارة الطَّبيعة وعذرية البيئة وطهر البراري!

جزيرة براندسي البريطانية كانت حاضنة وراعيَّة أوَّل معسكرٍ أسَّسَه ونظَّمه ونسخَ ورسَّخ قوانينه ضابط الجيش الإنكليزي السابق السِّير بادن باول وأراده محطَّةً مركزيَّة ينطلق منها بنو الناس عائدين إلى سجيَّتهم الإنسانية الفائقة الشَّفافية المُحرَّرة من الضبابية، المتفلِّتة من العِقد المجتمعية، المتعمِّقة بفهم مغزى وهدف كلَّ هذا الإبداع المخلوق في سبعة أيامٍ بكامل إرادة خالقٍ استلهمه الخلاَّق بادن باول عنوانًا لحركته الملتزمة بتفسير رسائل خالق السماوات والأرض الواصلة إلينا كل يوم من خلال بريد البراري والحقول والروابي والجبال وضفاف الأنهر والوديان والغابات، ومن هذه الرسائل الخصيبة الخضراء أتى الجوابُ الصحيح بالعنوان الأصَحّ “الحركة الكشفية” كانت عنوان عناوين لورد الكشافة الكونيّة وضابطها !!

يا حبّة الحنطة

30 نيسان 1991 عاشت المقاومة اللبنانية يوم الفراق الأليم والإنسلاخ الأشدِّ إيلامًا… فراقها لستّة عشر عامًا من أعوامٍ قاومت فيها عينها الصوَّان أقسى المخارز انغرازًا وأغلظها جلافة. هل من جوابٍ مُقنِع يستحقُّ أن يكون إجابةً مقنعة لأي سؤال يسأله مقاومٌ انسلخ عن بندقيته انسلاخ الحبيب عن حبيبته لحظة سلَّم الأغلى على أصدق ما فيه من مشاعر وأحاسيس وهو المدرك المتأكِّد بأنَّ مواقع سهره على الأرض والأهل والبيوت والتواريخ الملتحمة بالقلب والوجدان والذاكرة ما زالت على مرمى نظراتٍ إفتراسيَّة من مرأى حدود أوكار الضباع؟

خاتمة شهر نيسان 1991 أمسى ختم توقيعٍ على ترسانة أسلحةٍ سلَّمتها المقاومة اللبنانية طوعًا لحضرة جناب “السِّلم الأهلي” الذي صدقت ظنون وهواجس رجالها وفتيانها بأنَّه ليس أهلاً إلّا لاستلام تقارير صفراء وتسليم تعليماتٍ وأوامر وتبليغات أكثر اصفرارًا…

توالت هجمة دعوات الدَّاعين للاستسلام وحفظ الرؤوس والطرابيش زمن تغيير الدول. لم تتماهل نخبةٌ محصَّنةٌ ضد كل أنواع الإحباط الفكري والنفسي والمعنوي والجسدي فنهضت تصمِّم وتؤسِّس لما يتابع عيش كامل النذور اللبنانية، تستبدل البدلة الرهبانية الزيتية ببدلة حركةٍ كشفيَّةٍ ينتسب إليها جيلٌ مدعو للمثابرة على اكتشاف وطنٍ للسلام والجمال والفرح والأعراس ومعارض الكتب ومناهل النبوغ والإبداع. وطن مغاير كليًا للوطن الفندق والمنزول والأبواب المباحة لما هبَّ ودَبّ.. ومن حيث لا يتجرَّأ الآخرون تجرَّأ مؤسِّسو ومنظِّمو ومكودرو ومدرِّبو حركة كشّافة المستقبل تيمنًا بشعار “مؤسسة نحو المستقبل”!!

عام 1994 مرَّ في الزمن الكوني عامًا من أعوامٍ تمرُّ على أبناء الحياة المرهونة لمحدودية العمر كمرور يوم أمسِ العابر في عين الرب. أمَّا عام 1994 اللبناني فقد أنتجَ قرارًا “قطريًا أخويًا” عامًا متستِّرًا بسيادةٍ لبنانية مرتهنة متهالكة هزلية قضى بإعدام المقاومة اللبنانية جسديًا وروحيًا وقانونيًا وشعبيًا، وحتى كنسيًا، فكانت كنيسة سيدة النَّجاة.. وكان كل الذي كان مِن قبل يوم 27 شباط 1994 حتى يوم 26 تموز 2005. ليلة سماحة إعلان حل “الجمعية المُسمَّاة قوات لبنانية” وجميع مراكزها ومؤسَّساتها ووضع اليد على ممتلكاتها وعفشها ونفشها، انحلّت تلقائيًا حركة كشَّافة المستقبل مع توجيه دعوات متكررة لمؤسسيها وقادة أفواجها للتشريف إلى صبحيات ركاوي القهوة “الرايقه” وفناجين قهوجية بن أبي يعرب…

تفوَّق فتيان كشَّافة نحو مستقبل ثورة الأرز تفوقًا يؤهلهم لأن يكونوا خيرَ رفاقٍ لقائدهم وقدوتهم وحبيسهم داخل محبسة اليرزة متماثلين متباهين بمن تحوَّل رمزًا لبنانيًا وإقليميًا ودوليًا لقاماتٍ قياديَّة لم يتمكَّن من أسرها واعتقالها إلّا عظيم أمانتها لأخوة ورفاق الدرب والدم طيلة أزمنة البطولات والتجرُّد عن كل أمجاد الدنيا والرفض الصارم لكل وزارات “أكَلة الجبنة” واقتسام أسلاب ومغانم الوطن المغلوب على أمره ومُرِّه، وذهب بكامل معرفته أنه ذاهب لاقتسام الغرف الفاخرة مع إخوته ورفاقه نزلاء فندق الزنزانات ذات الخمسة نجوم الظَّه .. من عجائبية صبر وصمود قائدهم وقدوتهم وحبيسهم استلهم فتيان الرهبانية الكشفية المنحلّة قوة شكيمة المثابرة على الصلاة والتأمل ومواصلة متابعة الاختصاص بعلوم الحرية والسيادة والعنفوان، حتى جاء نهار 26 تموز 2005 يومًا أراده الرب وصنعه لنفرح ونتهلل به !

شعار كشَّافة مستقبل عام 1993 ذي اللباس المنسوج من ذاتية نسيج الأساكيم الزيتية لرهبان دير مار شليطا القطارة، لم يعد يلائم شعار مستقبل مؤسسة الحرير ومشاريع الأسواق الأرستقراطية وريثة أسواق بيروت أيام زمان أم الدنيا وكان يا ما كان. “26 تموز 2005 رجعنا ع الشمس رجعنا ع الحريّة”.. وشهد مستقبل أيام لبنان الآتية شروق وانتشار ضياء أناشيد وأهازيج وأنغام خبط أقدام كشّافة الحرية!!

 

يا كشَّافة حريتنا

الحريَّة المزهوة حتَّى أعمق معانيها بجاذبية طلَّة وجوهكم وصفوفكم هي التي اختارتكم كشَّافةً لرسوليتها ورسائلها. المقاومة اللبنانية انتخبتكم مقاتلين نخبويين بغير ثكناتٍ عسكريَّةٍ تتعسكرون، وبغير أسلحةٍ حربيّةٍ تقاتلون، وبغير مدافعٍ وراجماتٍ ومدرَّعاتٍ تغيِّرون موازين القوى وتقتحمون وتنتصرون.. كما كنتم في الأمس كذلك أنتم اليوم وغدًا تقاتلون وتواجهون وتصمدون وتنتصرون بذات الأسلحة التي صمَّمها لكم الأب العام المؤسس للحركة الكشفية الرسولية الجامعة المسكونية بادن باول ووزعها توزيعًا متتاليًا على جميع فتيان ورجال الحركات الكشفية في قارّات الأرض الخمس!

بسلاحكم تقتحمون مخابئ العنف والإرهاب والإجرام. بسلاحكم تهدمون جدران الفصل. بسلاحكم تتقدَّمون إلى جبهاتٍ لا تنتصر فيها إلّا العقول، عقول النبوغ والعلوم والثقافات واللغات والمكتبات والفنون. أنتم مدعوون لقتالٍ شرسٍ يحمي أرضكم اللبنانية من كل تلوُّثٍ بيئيٍّ وفكريٍّ وثقافيٍّ وعقائديٍّ. كما أنتم تتولَّون مهمة ردع جزّاري الغابات والتلال والجبال ومتاحف الصخور.. كما أنَّكم أنقى وأنخب مَن يبشِّرون بلبنان طائفةً واحدة وحيدة لثماني عشرة طائفة!

 

يا كشَّافة مملكة الأسوار الزيتية

أول يومٍ ولدتم فيه تنظيمًا كشفيًا رسميًا متمايزًا لم تجنحوا إلى نزعةِ الافتخار السطحي والتَّسلي والتَّلهي بعدِّ أرقام الحلقة التأسيسية، من هو المؤسس الأول.. ومن هو الثاني ومن هو الثالث.. وأنتم المؤمنون المقتنعون المختبرون أنَّ شهوة المراتب وغريزة المفاخرة والتباهي تقعان تحت أحكام الآية الإنجيلية: “هكذا يكون الأوَّلون آخرين والآخرون أوَّلين”.. الكل فيكم رئيس ومرؤوس، الكل فيكم قائد وعنصر، والكل فيكم صاحب الأمر ومنفِّذه. وها هي روحكم الكشفية الوقّادة في عيونكم وأصواتكم وإشارات أياديكم رمزٌ لنار سهراتكم المسكونة بالنور، نور رسل الشهادة للوطن والأرض والطبيعة.

هذه الروح بالذات ترفعكم إلى مسؤوليَّة كشَّافين اكتشفوا مدى قداسة ورهبة كونكم رفاقًا لـ15 ألف كشَّافٍ ليس لحركتهم الكشفية شبيه أو مثيل.. هم الذين اكتشفوا أنَّ جراح الأمَّة اللبنانية البليغة لن تداويها وتضمِّدها إلاَّ جراحهم.. كما اكتشفوا أنَّ عزَّة حياة لبنانهم وديمومتها لن يزود عنها وينتصر لها إلاَّ نعوشهم البيضاء المرفوعة بأيادي رفاقهم وأهلهم، كما بضمائر بني شعبهم وأمتهم، كما برفيف أجنحة الحرَّاس السارافيم المكلَّفين من جلالة الصوت الصّارخ بكلٍّ طامع وغازٍ: “قف واخلع نعليك من رجليكَ فإنَّ الأرض الواقف عليها هي أرضٌ مقدسة للبنان مقدَّس”!!

يا كشّافة خورس ساحة أيلول القداديس تسيرون صفوفًا تلوَ صفوفٍ سرَيان النَّغم الحماسي في صدحِ أناشيدكم. صفوفكم مرَّت بين أهالي الشهداء ورفاق الشهداء قراءةً حرَّكت الدمع في العقل والقلب والسَّمع والبصر، فكانت القراءة الأخشع في صلوات تقدمة الذبيحة! أقمارًا كنتم، وكل قمرٍ جذبَ السَّماء المتلبننة إلى عيوننا وضمائرنا وذاكراتنا، ويا غبطتنا إن أصابت أبصارُنا هدفَ التطلُّعِ نحو الأعلى والأعلى من الأعلى، حيث ربوات طوباويينا الخمسة عشر ألفًا، ويا ويل ويلنا إن أخطأناه!!

يا كشَّافة حمل الله الحامل حريتكم حريَّةً لنا. وأنتم تسوِّرون ساحة أيلولنا بحوربات: “عليَّه، عليَّه، بيارق الضّجيج الأليم.. وسيعه، سنيَّه، منارة اللهيب العظيم.. يا بيارق، يا بيارق”.. ازداد شغف القداس بشهدائه وارتفعت نوايا الشهداء كأنَّها إلحاحٌ بألّا يكون لقدّاسهم خاتمةً ولأيلولهم يومٌ أخير. تلك اللحظات فعلاً “تحيط معكم ومعنا بمائدة المذبح، تزيِّحُ أسرار الحمل الذي قدَّامنا يُذبَح”.. تلك اللحظات جاء الأمرُ الكشفيُّ لأصواتكم: “استرح”.. لحظتها رتَّلت الحرية ترتيلةً نفَذت بندائها إلى وجدان كل كشَّاف منكم: “لستم أنتم الذين اخترتموني بل أنا التي اخترتكم”!!

 

شهادة من حامل وزنة هذا المقال

زمن قداسٍ من قداديس أيلولنا داخل ساحة مذبح رعية معراب كان موقف السيارات الأقرب إلى الساحة مخصّصًا ككل سنة للمدعوين من رسميين ومسؤولين.. السيارة التي كانت تُقلُّني مع كرسيَّ المتحرك سُمحَ لها بإيصالي إلى مداخل ساحة القداس، ثم تم سحبها إلى موقف من مواقف سيارات ذوي الشهداء محدَّدة بالرقم.

بعد نهاية القداس وخطاب الحكيم، كان حظ رقم موقف سيارتي على طريق عشقوت القديمة على بعد 5 كلم للجهة الشرقية من ساحة معراب.. وجهة تلك الطريق كانت صعودًا حادًا رافقني فيها عدد من فتيان وفرسان كشافة الحرية ومشوا بكرسي المتحرك مسافة الـ5 كلم بوجوه ملؤها الفرح وقلوب ملؤها المحبة وجباه ملؤها الشهامة وزنود ملؤها النخوة. مرَّت سنوات وما زالت القامات الإنسانية والأخلاقية والكشفية لأولئك الأحبة تقيم في داخلي مقام الصلاة والقداس!

 

كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1754​

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل