.jpg)
عام مضى على مبادرة “الحزب” إلى توريط لبنان بحرب غزة حين بادر، منفرداً ومتفرّداً ومن دون أي اعتبار لا للدولة ولا للمؤسسات الدستورية ولا للشعب اللبناني، إلى إشعال جبهة الجنوب مع إسرائيل في 8 تشرين الأول العام 2023 تحت شعار “حرب الإسناد والإشغال”. لكن تبيَّن على مدى عام كامل وصولاً إلى 8 تشرين الثاني 2024، أن “الحزب” لم يسند غزة التي دُمِّرت بما يفوق الـ80%، بحسب التقارير الدولية، بشيء، وأنه لم يُشغل الجيش الإسرائيلي عنها، بل جرّ المآسي والموت والدمار والخراب على لبنان، خصوصاً على بيئته بالذات، وما مشاهد الدمار الهائل الذي يتابعه الناس بذهول وصدمة على شاشات التلفزة، في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية وغيرها من المناطق، سوى خير دليل على ذلك، والمأساة مستمرة.
لا جدال في أن “الحزب” اليوم في 8 تشرين الأول 2024، هو غيره في 8 تشرين الأول 2023. فالضربات القاسمة التي تلقّاها “الحزب” من أعلى الهرم إلى سائر قيادات الصف الأول وما دون، أصابته في الصميم. في وقت، تبقى المأساة الكبرى نزوح وتشريد نحو مليون ونصف مليون لبناني يلتحفون السماء على الأرصفة وفي الطرقات، وغالبيتهم من بيئته وجماهيره التي لطالما وعدها بالحماية والأمن والانتصارات، ما عدا بعض الميسورين، أو المحظوظين الذين وجدوا مأوى في بعض المدارس والأديرة والكنائس والنوادي والروابط الأهلية، والذين تتلقَّفهم بالدعم والتضامن والمساعدة والإيواء جمعيات أهلية ومبادرات شخصية فردية، فيما تبيَّن أن كل وعود “الحزب” بتأمين مراكز إيواء ورعاية للنازحين في حال تطوّرت الحرب، لم تكن سوى مجرد سراب وشعارات ووعود فارغة للأسف.
الكاتب والمحلل السياسي الياس الزغبي، يرى أنه “لا شك أن مرور سنة على “حرب الإسناد والإشغال” التي أطلقها “الحزب” دعماً لحركة ح في قطاع غزة، سجَّل تراجعات بنيوية في المشروع الأساسي الذي أعلنه “الحزب” في وثيقته التأسيسية العام 1985، أي مشروع “الدولة الإسلامية ـ فرع لبنان” بنسختها الإيرانية، لافتاً إلى أنه “تبيَّن بفعل التطورات الحاصلة على مدى سنة أن هذا المشروع طُوي فعلاً، لأن “الحزب” بات الآن في الموقع الأضعف، ليس فقط على المستوى الميداني والعسكري، بل أيضاً على الأساس العقائدي والمشروع الأول الذي كلَّفَته به مرجعيته الإسلامية في طهران”.
الزغبي يلفت، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أنه “إذا كان سقوط المشروع في أساسه هو أبرز نتائج هذه الحرب، فإن التراجعات الأخرى لا تقل قسوةً وخطورةً على “الحزب”، سواء في بنيته الاجتماعية والتنظيمية، أو على مستوى هيمنته السياسية على القرار اللبناني”، معتبراً أن “هذا التراجع على المستوى السياسي، سيتحوَّل خلال الأسابيع المقبلة إلى نوع من كرة ثلج تصل إلى ملفات داخلية كثيرة، أبرزها الاستحقاق الرئاسي”.
يضيف: “صحيح أن إيران سارعت إلى إيفاد وزير خارجيتها عباس عرقجي لإعادة ترميم المشروع السياسي للحزب، وضرب ما كان أقدم عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي والنائب السابق وليد جنبلاط، فسعى إلى إجهاض مسألة الحل بالفصل ما بين حرب لبنان وحرب غزة، وشاهدنا بعض التراجعات من قبل هؤلاء الذين اجتمعوا في عين التينة، باستثناء جنبلاط الذي بدأ ربما يستدير نحو مواقعه السابقة في الخط السيادي، بقوله إن المطلوب تنفيذ القرار 1701 بالفصل عن حرب غزة وكذلك تنفيذ كل القرارات الدولية السابقة. هذا يعني بالتحديد أن جنبلاط يشير، على الأقل، إلى القرارين 1559 و1680 اللذين ينصّ عليهما القرار 1701، إضافة طبعاً إلى إعادة تثبيت خط الهدنة سنة 1949، وهذا الموقف يتمايز عن موقف بري وحتى عن موقف ميقاتي”.
لكن اللافت، وفق الزغبي، أن “خطاب نائب السيد نصرالله الشيخ نعيم قاسم اليوم، دار في السياق المعروف لسياسة “الحزب” منذ “حرب الإسناد والإشغال”، لكنه تميَّز بشيء جديد واحد حين تحدث عن وقف إطلاق النار، فلم يأتِ على ذكر الربط مع حرب غزة. فقاسم تحدث عن وقف إطلاق النار وعن تكليف بري المطلق بالبحث والبتّ في هذه المسألة، من دون التركيز على الربط التقليدي المزمن على مدى عام كامل مع الحرب في غزة”.
برأي الزغبي، أن “هذا ما يؤشِّر إلى محاولة للحزب، بنصيحة إيرانية، للتخفيف من خسائره الميدانية والسياسية بطرح فكرة وقف إطلاق النار بشكل منفرد، ما يضع المسؤولية من جديد بين يدي بري الذي كان قد تراجع تحت الضغط الإيراني عن هذا الموقف”.
في الخلاصة، يشدد الزغبي على أن “ما حصل ويحصل منذ 8 تشرين الأول العام 2023، يقطع كلّياً مع المرحلة السابقة. فلا عودة في الجنوب إلى ما قبل التنفيذ الناقص للقرار 1701، ولا عودة في الداخل اللبناني إلى الهيمنة السياسية من “الحزب” على الدولة. بمعنى أن الاستحقاقات المقبلة ستكون متحررة من هذه السطوة، سواء بانتخاب رئيس جمهورية جديد، أو بإعادة إنتاج مستويات السلطة بدءاً من الحكومة العتيدة”.
