كل الأسلحة إلى المعركة الانتخابية بما فيها تناقضات المهاجمين
مخاوف من أثمان متكرّرة لإذكاء التوظيف المذهبي والطائفي
يثير تسعير الخلافات السياسية مخاوف كثيرين في الخارج على الهدنة السياسية التي توصل اليها اتفاق الدوحة حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، وذلك على رغم اعتبار هؤلاء ان حوادث طرابلس المتواترة خرقت هذه الهدنة وستبقي الوضع هشاً جداً فينعكس ذلك على البلاد ككل. وليس ادل على ذلك من مفاعيل ورقة تفاهم وقعها ممثلون لـ"حزب الله" مع ممثلين لفريق سلفي في طرابلس. لكن ما يحصل يومياً وخصوصاً الحملة التي بدأها بعضهم على رئاسة الحكومة بسبب الزيارتين اللتين قام بهما الرئيس فؤاد السنيورة لكل من مصر والعراق وربطهما بزيارة الرئيس ميشال سليمان لسوريا، تشي بأبعاد تتخطى الداخل اللبناني اولاً، كأنما زيارة دمشق ينبغي ان تعود فتغني عن اي تواصل مع الدول العربية الاخرى أو ان تعود الحصرية للعاصمة السورية في التعاطي ولبنان. هذا الامر يعكس عودة محاور اقليمية لتتصارع مجدداً بعد هدوء نسبي بعدما كاد لبنان ان يقع في حرب اهلية جديدة في 7 ايار المنصرم. لكن ثمة من لا يستبعد ان يحاول بعض الداخل، بامتداداته المعروفة، تقييد الرئاسة الثالثة والخيارات السياسية الحالية للبنان، علماً ان هذا البعض يراهن على ان يفعل ذلك بعد الانتخابات التي يسوق لفوزه فيها من الآن، وخصوصاً ان المسؤولية تبقى مسؤولية اللبنانيين اولاً واخيراً وقبل كل الآخرين.
الا ان هذا لا ينفي كون الانتخابات النيابية بدأت في المناطق المسيحية، بعد الشمال باعتبارهما المنطقتين اللتين يرمي كثيرون الى تسعير الحرب السياسية فيهما من اجل الوصول الى توازن مختلف عن ذلك السائد منذ عام 2005.
وفي وقت تتم تحمية الانتخابات في طرابلس بحوادث امنية، يُشهر في المتن الشمالي سلاح الدفاع او تأمين صلاحيات نيابة رئاسة مجلس الوزراء الارثوذكسية في وجه الحليف السابق لـ"التيار العوني" النائب ميشال المر، كما شهر السلاح نفسه في وجه رئاسة الحكومة كأنما رئيس الحكومة هو المسؤول عن اعطاء صلاحيات لنائبه وليس الدستور، وبصرف النظر عن صواب تحصيل حقوق لهذا المنصب ام لا. وقد اندفع الوزراء والنواب في المنطقة بحملة تبدو معها الانتخابات كأنها واقعة غداً لا محالة، وان التحديات كبيرة جداً بحيث تبرز كل التحركات حجم التحديات التي تواجه هذه الشخصيات باعتبار ان المناطق المسيحية ستكون بيضة القبان في حسم الخيارات السياسية المستقبلية للبنان في اتجاه استكمال مسيرة 2005 او تغليب المعارضة اتجاهاتها السياسية. فهناك وزير يمتنع عن مرافقة رئيس مجلس الوزراء في زيارة للعراق اعتراضا على اهمال، يقول انه تعرض له ابان زيارة رئيس الحكومة لمصر، علما ان هذا النشاط الحكومي هو الاول بعد نيل الحكومة الثقة في مجلس النواب وان هذا الوزير يخرج على ما كان التزمه رئيس "التكتل" الذي ينضوي فيه، اذ يعتبر النائب العماد ميشال عون في البرنامج الانتخابي الذي وزعه في ايار 2005 "ان الوزير الذي لا يوافق رئيس حكومته في سياسته يجب ان يقدم استقالته او ان يعفى من مهماته". فحتى الديموقراطيات التي شهدت على نظام تعايش، يقول، "يكون صوت مجلس الوزراء موحداً". وذهب احد النواب المتنيين الى اعلان عدم ممانعته في ان يكون قائد الجيش من طائفة غير الطائفة المارونية ولم يجف بعد حبر الحملات الاعلامية والاعلانات السياسية التي قام بها مع سواه مع زملائه في التكتل الذي ينتمي اليه، وفحواها ان حقوق المسيحيين المهدورة منذ ما يزيد على 15 عاما استعيدت في اتفاق الدوحة، بينما انكفأ هؤلاء جميعهم عن المطالبة باستعادة منصب المدير العام للامن العام الذي اوكله الرئيس السابق للجمهورية الى مسؤول من غير الطائفة المارونية التي كان المنصب يعود اليها عادة. فيختلط حابل الطائفية بنابل العلمانية تحت سقف واحد ولا من يحاسب ولا من يقيم وزنا لاي محاسبة محتملة او لذاكرة الناس.
لم يتوهم احد ابان تأليف الحكومة ان الوزراء لن يتمترسوا خلف مواقعهم لمتابعة حروب الكتل التي ينتمون اليها، بحيث يرمى كل يوم موضوع جديد في سوق التداول الاعلامي يشعل جدلا لا ينتهي. ولم يتوهم احد ايضا ان كل الاسلحة السياسية، وربما غير السياسية، ستستخدم نتيجة الاستقتال في الحصول على مقاعد نيابية اكثر خصوصا انه حق طبيعي استخدام كل الاوراق والحجج في حرب اعلامية سياسية انتخابية في المبدأ. الا ان ما لا يولى اي اهمية هو الاحتمالات الكبرى التي يتم تعريض البلاد فيها للخطر الشديد، بحيث تدفع الى حافة الهاوية جراء تذكية المشاعر المذهبية والطائفية. وهذه لعبة خطرة سبق ان ادخلت البلاد مساراً مهلكاً قبل بضعة اشهر انعكست سلبا على بعض من قاموا بها وكلفت اثماناً باهظة. واللعبة نفسها توظف مجددا على نحو لا يأخذ في الاعتبار لا ما آل اليه الوضع عموما، ولا ما يتهدد المسيحيين في لبنان والمنطقة ككل والذي كان التفاهم الاخير بين "حزب الله" وفريق سلفي، سواء نجح او فشل، عاملا مهما في تسليط الضوء بعض الشيء على خطورة كبيرة تستعيد المشهد العراقي في كثير من ظواهرها. ثم ان معاودة الحرب السياسية والاعلامية، كما لو ان اي تطور لم يحدث في لبنان اخيرا لا في انتخاب رئيس جديد للجمهورية ولا في تأليف حكومة ما تسمى وحدة وطنية، باتت تثير الخشية من رؤيتين للبنان تتصارعان اكثر من اي وقت مضى وقد تمزقان البلد مجددا تحت شعارات مختلفة.