"براعة" سليمان في مفاوضات دمشق "أزعجت" الرئيس السوري ودخول روسيا الى أوسيتيا أنعش حلمه
التأزيم اللبناني واستهداف الأسد مقام رئاسة الجمهورية
ثمة مقولة راسخة في السياسة: المفاوض القدير أهم من المحارب البارع.
ويبدو أن هذه المقولة بدأت "تتلبّس" نظرة الرئيس السوري بشار الأسد لرئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان، ذلك أن التدقيق بالمواقف التي أطلقها في الصحافة الروسية أخيراً تشي بتصميم متوافر لديه على تجاوز القمة التي جمعته في دمشق مع الرئيس اللبناني، للتركيز حصراً على ما يسميه حوارات تقودها بلاده مع "جميع الأطراف في لبنان".
وهذا يفيد أن الأسد بعد اجتماعاته بسليمان الذي وصفه وزير الخارجية السورية وليد المعلم في إحداها بأنه "مفاوض صعب يُحضّر ملفاته بشكل ممتاز ويُدافع عنها بحرارة المؤمن"، قد أدخل تعديلات على تكتيكاته "الإستيعابية" للحالة اللبنانية، فانتقل من "التسويق المسبق" لحصرية الحوار مع رئيس الجمهورية الى اعتبار هذا الرئيس، ولو من دون تسويق، مجرد "طرف لبناني" من ضمن "جميع الأطراف".
وإذا ما قيست المسافة الزمنية بين هذا الموقف الرئاسي السوري وبين التاريخ الذي انعقدت فيه القمة اللبنانية ـ السورية، فحينها يُصبح لتغيير المناخ الشكلي بين الإستقبال الحار على مطار دمشق وبين الوداع "البارد" في زيارة رسمية، مدلولات كثيرة عبّر عنها المعلم الذي أفسد بمؤتمره الصحافي المناخ الإيجابي الذي كان يود الرئيس سليمان تعميمه في لبنان، من أجل إطفاء الحرائق الملتهبة في حقل العلاقات اللبنانية ـ السورية كتمهيد لا بد منه لتدشين مرحلة جديدة غير مسبوقة بين بلدين يفتتحان بضغط دولي مسيرة التبادل الديبلوماسي.
ولعلّ هذا الموقف الأسدي بالذات يُمكنه أن يُفسّر تماماً الخلفية الحقيقية لحالة التأزم التي تمّ اصطناعها بعيد عودة رئيس الجمهورية من دمشق لتطغى بشكل كامل على اهتمام اللبنانيين بما عرضه الرئيس سليمان، بجرأة غير مسبوقة، مع نظيره السوري.
ومن يُدقق بالهويات السياسية لمثيري الأزمة يجد أنهم إما "سوريون" وإما "مستقوون بالنظام السوري" وعلى علاقة تحالفية متينة بمجموعاته اللبنانية.
فحيثيات الحملة على رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة بدأت من منبر "سوري" واستُكملت بـ"ببغائية" غير مهنية من منبر سوري آخر، وتمّ تزخيمها بجوقة معروفة. "السوريون" تكلموا عن "قوطبة" على زيارة سليمان و"المستقوون بالسوريين" تكلموا عن انقضاض على صلاحيات رئاسة الجمهورية، الأمر الذي أثار تساؤلات لدى رئيس الجمهورية عن "فبركة" المعطيات المزوّرة بهدف المزايدة عليه في "الحرص على البُعد القومي السليم" من جهة أولى وعلى صلاحيات الموقع الماروني الأوّل في لبنان، من جهة ثانية.
كما أنّ "حزب الله" حرص على تثبيت موعد توقيع الوثيقة المثيرة للجدل مع تنظيمات سلفية "خفيفة"، متجاوزاً بذلك رغبة أبدتها هذه التنظيمات في إرجاء عملية التوقيع، بعدما شعرت بأن الأرض الشمالية تموج تحت أقدامها. وقد كان لهذا الإصرار الذي "شوشط الطبخة"، بعد متصل بعملية طي صفحة الزيارة الرئاسية لدمشق، بحيث حققت الضجة أهدافها السورية في حين أن لا نصّ الوثيقة ولا المجموعة السلفية التي وقّعت عليها كان يُمكن أن يرفعا من رصيد "حزب الله" في الساحة السنّية عمّا يوفره له كثيرون على قياس فتحي يكن وهاشم منقارة و"تجمع العلماء المسلمين" ناهيك عن المجموعة السياسية التي تمر بالنائب أسامة سعد وتحط عند النائب السابق عبد الرحيم مراد.
في حين أن العماد ميشال عون المرتاح للتوجه السوري "الأنتي سليماني"، سارع الى فتح ملف موقع نائب رئيس الحكومة في التركيبة السلطوية، بطريقته المثيرة للغرائز، بحيث بدا فؤاد السنيورة يفتئت على الحقوق الدستورية المكتسبة لعصام أبو جمرا، سواء من خلال رفضه السماح له بالإقامة مع حرّاسه المجهولي الإرتباطات المخابراتية في السرايا المستهدفة أمنياً أم من خلال ممانعته الطبيعية في أن يمارس عليه دور "المراقب العام" أم من خلال السماح بتكريس ما يتجاوز الحساسيات الدقيقة التي أرست توزيع السلطة في اتفاق الطائف.
وكان لافتاً للإنتباه أن عون، الذي كرّس تلفزيونه لمعاون المستشارة الإعلامية والسياسية للرئيس السوري برتبة وزير اعلامي سابق، من حيث كرّر هجوماته التخوينية على قوى الأكثرية وراح يصرخ ببراءة جنرالات النظام الأمني اللبناني ـ السوري، فتح معركة تقضي بإعطاء نائب رئيس الحكومة ما هو غير معطى لرئيس الجمهورية بالذات، أي ترؤس مجلس الوزراء في غياب رئيس الحكومة، فيما توزّع "عبقرياه" على شاشات الـ"أن.بي.أن" و"المنار"، فوافق النائب نبيل نقولا على تغيير طائفة قائد الجيش (على الرغم من فتح معركة سابقة لاسترداد منصب المدير العام للأمن العام الى الطائفة المارونية) وأقرّ النائب كميل خوري في معرض هجومه على رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع بأن سلاح "حزب الله" هو "سلاح تقسيمي" ويتوسّله جعجع "لإحياء حلمه القديم"، قبل أن ينتهيا معا الى اقتراف "موبقة" سياسية إذ وبعد دقائق على "خطاب حربي" لنصرة "صلاحيات" أبو جمرة، يُسارعان الى "الجزم" بأن إثارة موضوع سلاح "المقاومة" تأتي من باب تشتيت إنتباه اللبنانيين عن قضيتهم المركزية، وهي المتصلة بالملف الإقتصادي والمعيشي.
على اي حال، إن تأزيم الواقع اللبناني لم يسمح "بتقزيم" إنجاز سليمان فحسب، بل يكاد ينجح، بفعل التفلت الحزب اللهي هنا، والمزايدة "القومية" هناك والمخاوف على حقوق المسيحيين هنالك في محاولة تصوير رئيس الجمهورية بأنه مجرد طرف من الأطراف اللبنانية، وفق تعبير الأسد "المنتشي" بتشبيه سوريا بروسيا وبالخلط بين الدخول الى أوسيتيا الجنوبية المتنازع عليها وبين جورجيا الثابتة مما يُنعش فيه حلم العودة الظافرة الى لبنان إنتقاما لخروجه "الصاغر" منه، فيُسارع الى المس بمقام رئاسة الجمهورية ليجعل منها طرفا إعتقادا منه أنه هو رئيس سوريا ولبنان… إلى الأبد.
هذه الخلاصة لن تُرضي الرئيس سليمان الذي يُريد التغاضي عن السلبيات، أيّا كانت، والتركيز على الإيجابيات، أيّا كانت، وذلك ليحوّل زيارته لسوريا إلى "مفتاح" للقفل الذي يُحكم إغلاق الباب على مجموعة كبرى من الحقوق الطبيعية للدولة اللبنانية، وهي حقوق تبدأ بالأمن وتمر بالإستقرار وتنتهي بالأمان من دون أن تتوقف على الأحلام …وما أكثر الحالمين!