
من “الشهداء المسابكيّون” في دمشق إلى شهداء العيشيّة في لبنان..
عِناقُ الدّم والرّوح من أجل الإيمان والحرية!
تستعدّ الكنيسة المارونية والكنيسة الجامعة، يوم الأحد 20 تشرين الأول 2024 في روما عاصمة الكثلكة في العالم، لإعلان قداسة الطوباويين العلمانيين الثلاثة الموارنة، الإخوة الشهداء فرنسيس وعبد المعطي ورفائيل مسابكي الدمشقيون، الذين استشهدوا في مدينة دمشق مع ثمانية من الرهبان الفرنسيسكان أثناء مجازر العام 1860 في العاشر من تموز من تلك السنة المشؤومة.
كذلك، تقع ذكرى شهداء العيشية في لبنان، في 20 تشرين الأول 1976، حيث يصلّي أبناؤها كل سنة، من أجل راحة أنفس أبنائها الشهداء الذين استشهدوا أبطالاً أبرار في تلك المجزرة الملحمية الطاهرة في مواجهة المحتلّين الطامعين المتعطّشين للدم، فسقط من أبناء العيشية 54 شهيدًا روّوا الأرض بدمائهم الزكية وعطّروا سماء العيشية بأرواحهم النقيّة، السابحة بين ملائكة السماء وأجواق القدّيسين!
في هذا التاريخ العابق بالاستشهاد والشهادة والتضحية وبذل الحياة في سبيل الأحبّاء على مثال الرب يسوع المسيح الذي جاد بنفسه على الصليب، نقف خاشعين مصلّين أمام الإله الحيّ، بإيمان ثابت وخشوع عميق لنؤكّد دومًا الثبات في قضية الحرية والتجذّر في الأرض والدفاع عن العرض والكرامة والشهادة للقيم والمبادئ والزود عن تراب الوطن وحرّية الإنسان!
في سيرة “الشهداء المسابكيون”، نتعلّم الكثير: الإيمان الثابت والراسخ، والأخلاق والجهد في العمل، وعيش المحبة والخير الإنساني وحُسن الجوار واحترام الآخر مع الثبات التام في الإيمان وما يحمله من قيم! فنرى فرنسيس التاجر الأمين والنشيط والشهير، وعبد المعطي المعلّم والمربّي والمعطاء، ورفائيل الخادم والعامل والمصلّي، وهم من خيرة الناس بالأخلاق الحسنة والسيرة القويمة!
على مقلب آخر، من هذا الشرق المعذّب، وبعد أكثر من 100 عام، تطلّ علينا ذكرى أليمة لحدث مروّع في قرية وادعة جميلة من جبل لبنان المبارك، وفي قضاء جزّين البهيّ، خلفها جبل حرمون الشامخ وأمامها جبل الشمّيس العابق بالروعة والسكون، تحيطها أحراج الصنوبر العابقة بالأطايب، وبساتين الزيتون والأشجار المثمرة وأراضٍ غنّاء، فتّت الصخر فيها الأهل الودعاء المجتهدون، في حمى بيوت عابقة بالتقوى والمحبة والكرم، تحرسهم شفاعة العذراء مريم سيدة الحبل بلا دنس، ومار أنطونيوس الكبير!
على هدأة الحقول وسكون الأودية وعزّة القمم، عاش أهل العيشية بكِبَر وعنفوان وصلابة، فكانوا كالنور يضيئون في ليل العالم المظلم، فبرع منهم الكثير من أبنائها وتسلّموا أعلى المناصب، من دون أن ينسوا أصولهم المرتبطة بالأرض والبساطة والتواضع وحُب العطاء!
مع شهداء دمشق المسابكيّون الموارنة المؤمنون والأمناء والمسالمون والمحبّون، ومع شهداء العيشية اللبنانيّون المتجذّرون في وطنهم وأرضهم وقيم الحرية والإيمان والمحبة والسلام، وفي التاريخ ذاته، نقف اليوم لنؤدّي تحية إجلال وإكبار لهؤلاء الشهداء الأبطال الميامين، الذين نتعلّم منهم الكثير.
هم مدرسة لنا نتتلمذ في حضرتهم، ونستلهم حضورهم، ونعتزّ بسيرتهم، ونكبر بعطائهم، ونخشع لبطولاتهم، ونستنير بأطيافهم، وننتعش بأرواحهم!
هم لنا شفعاء، ودمهم يروي أرضنا ويضمّخ رأسنا بزيت الطهر والنقاء!
شهداؤنا بشهادتهم الباسلة يعلّمونا الكثير، وينبغي نحن أن نكون دومًا وأهلاً لهذا التعلّم لنكون دومًا أوفياء للتضحيات ومستعدّين لكل التحدّيات!
هو عبق الشهادة والقداسة والبطولة والعنفوان، يتلاقى ببهاء ويتهادى بسكون وينتفض بشرف الإيمان ويُسلم الروح في يدي المسيح المصلوب فداءً عن كثيرين!
إنها ذكرى العزّة والافتخار والارتقاء عن كل حقد وضغينة، في وطن عانى ما يكفي من الحروب والويلات ودفع الأثمان الباهظة:
أما حان لهذا الوطن المعذّب أن يرتاح أهلوه، ويعود موئلاً للسلام والجمال والحرية؟!
أما حان أن نعود كلّنا إلى القيم السامية والأخلاق الرفيعة والمبادئ الوطنية، فنعيش المحبة والإخاء والخير المتبادل؟!
أما حان أن نتعلّم من التاريخ ونحمي الحاضر ونتطلّع للمستقبل، فنعيش حالة استقرار وأمان وازدهار، بعيدًا عن صراعات لا طائل منها، ولا علاقة لنا بها، ولا قدرة لنا على حملها، ولا شأن لنا في تحمّلها، ولا جدوى في تبعاتها؟!
في ظلّ ما نعيشه من أحداثٍ كبرى وتغيّرات أكبر، يرسم لنا الشهداء بسيرتهم ودمائهم وتضحياتهم وقيمهم، خطوطًا راسخة في الحق والحقيقة، بعيدًا عن صخب هذا العالم المليء بالضجيج والثأر والانتقام! إنها مسيرة العزم والرجاء، المكلّلة بالبطولة في سبيل صدق القضية ونُبل الإرادة ومشيئة الحياة الكريمة، في وجه الباطل والشر والعدائيّة والهمجيّة!
في حدث تقديس شهداء دمشق المسابكيون، العلمانيّون الذين استشهدوا لأجل إيمانهم، في قلب الكنيسة وأرجاء الدير الذي كانوا فيه وحمى القربان الأقدس… وفي ذكرى شهداء العيشية، الذين استشهدوا في أرجاء بلدتهم الوادعة الهانئة المسالمة بسبب دفاعهم عن أرضهم وبيوتهم وعائلاتهم وحريّتهم وقيمهم… نحن أمام النصر الكبير من شهيد الجلجلة المعلّق على الصليب، لنجد فيه الخلاص الوحيد والرجاء الأكيد في خضّم كل هذه المآسي التي نعيشها، لنحظى ببركات خيرٍ ونعم من شفاعة شهدائنا القدّيسين الأبرار، في وجه كل الظلم والظلام والأحقاد والتخلّف، سلامًا وأمانًا وتجذّرًا وانتصارًا!