.jpg)
يطالعُنا كثيرون مِمَّن يصبغونَ أسماءَهم بدهاناتٍ إعلانيّة، مثل : باحث استراتيجي، ورئيس موقع فكريّ متقدّم، ومرجع وطنيّ رائد، وسوى ذلك من الألقاب الطفطافة التي تندرجُ، كلُّها، تحت يافطةٍ واحدةٍ مشبوهة، بتحديداتٍ متشعِّبة حول علاقةِ المواطنِ بالوطن، وكيف تُتَرجَمُ هذه العلاقة، وما هي تفاصيلُها…
يُفيدنا استعراض للمشهد الدّاخلي، عندنا، وبما لا يحتمل الشكّ، أنّ الولاء للوطن، لدى كثيرين، هو عنوان بلا مضمون. وذلك يعني أنّ الولاء شريد، محكوم عليه أن يتفعّل خارج خارطة لبنان، ليتبدّل اسمُهُ، ويصبح تَبَعيّة. من هنا، فالولاء بحاجة الى وكالة غَوثٍ تُعيد صياغة المفاهيم، ولا سيّما مفهوم الوطنيّة، وتُخضِع، بالتالي، الكثيرين لدَورات إعادة تأهيلٍ ولائيّة، مضمونُها مُلزَمٌ بتَغييب كلّ المفردات المستوردة من قواميس الخارج، والتي لا تمتّ لبلادنا بِصِلَة.
إنّ الدّخول الى صميم وجود الوطن، أي الكيان، يؤجّجُ مواجهةً مُسَنَّنة، تتصاعد وتيرة إثارتها بين مرافعاتٍ تدعم حضور الوطن كمشروع وجودٍ يتّصلُ بجذريّة الحياة في الزمان والمكان، وبين مداخلاتٍ لا تنسجمُ، أبدًا، مع الإيمان بلبنان كيانًا نهائيًّا ذا سيادةٍ وقرار حرّ. إنّ هذا التّجاذب التّناقضيّ هو الأمر الأشدّ حساسيّةً، بل خطرًا، وتنسحبُ نتائجه على الحالة العلائقيّة بين المواطن وأرضه، فإمّا تَكامُلٌ عُضويّ، وتَرابُطٌ جوهريّ بينهما، وإمّا علاقة إصطناعيّة بعيدة، كلّ البُعد، عن الشّراكة الوجوديّة بينهما.
إنّ التّفسير البسيط لهذا التّناقض، يكمنُ في كلمة ” وطنيّة “. لذلك، ينقسم القاطِنون في لبنان، ولا أقول : ” المواطنون “، ( لأنّ هذه التسمية لا تنطبقُ على الذين لا يمثّل الوطنُ حيثيّةً مصيريّة لهم )، الى فريقٍ لا يتبنّى المفهوم السياسيّ للكيان، وفريقٍ يعيش حالةً إندماجيّة مع الكيان، ليشكِّلا، معًا، نموذجًا شَراكيًّا مصيريًّا يصلُ، بهما، الى حدِّ التّماهي المُطلَق. إنّ هذا التّناقض المتماديَ قد رسَّخَ صراعًا استراتيجيًّا مفصليًّا، توسّعت دائرة الانتباه إليه، بعد أن تمادى فريقٌ مُتَمَترِسٌ خلفَ فائضِ القوّة، بقَرصَنَةِ البلاد، وبمجاهرةٍ فاضحةٍ بارتباطه الكامل ببلادٍ غيرِ لبنان، وبمبايعةِ قائدها ارتباطًا وولاءً.
ويُضافُ الى المُستقوين، أيضًا، جماعاتٌ لطالما طلَعَت ببدعٍ، منها أنّ لبنان هو وطنُ المصادفة، أو هو خطأٌ تاريخيّ وجغرافيّ، أو هو صنيعةُ المُنتَدِب، أو هو ولاية تابعة لدولة مُجاوِرة… وهذه البِدَعُ التي انتهكَت حقيقة لبنان، وروّجَ أصحابُها لِزَيَفٍ معروفِ الأهداف، تؤكّدُ، وبما لا يرقى إليه الظنّ، على أنّ لبنان ليس محيط الكيان الوجودي لهذه الجماعات، لذلك، ضاع مفهوم الوطنيّةِ انتماءً وولاءً. من هنا، فالمستَقوون وأصحاب البِدَع، واضحٌ أنّ المؤونةَ الكيانيّة لديهم، مُصابة بالشحّ، إِنْ لم نَقُلْ بالنُّضوب، وهم يعملون، بجدٍّ وفي العَلَن، لتمرير مؤامرةٍ ذات خطورة قُصوى، هدفُها تفتيقُ الصِّلة بين اللبنانيّ والكيان، وبَترُ رابطِ الشّعبِ الحَيَوي بالأرض، وإنهاكُ علاقته القدسيّة بها.
إنّ لُبَّ الصّراع، إذًا، يتمحورُ حول الالتزامِ بالانتماءِ والولاء للوطن، من هنا، ينبغي ألّا يَظهر، عند الولائيّين، تَراخٍ في موضوع الكيانيّة، انتماءً، وولاءً، فمواجهةُ الإستقواء، والقضم، والسيطرة، وتمدّد النّفوذ، واحتكار القرار الوطنيّ تحت ذرائع مشبوهة، وزَجِّ البلاد في حربٍ تدميرية عَبَثيّة… هي واجبٌ إلزاميّ. أمّا المواجهة الحقيقية فينبغي أن تكون في وجه الانقلابِ على قِيَمِ المواطنة، وفي مقدِّم هذه القِيَم أُسُس الكيان بالمفهوم الولائيّ، ويكون ذلك بتشكيل سَدٍّ مَنيعٍ أمامَ فَرضٍ بالقوّة لإيديولوجيّة بائدة، قمعيّة، توتاليتاريّة، تشلّع حضارة الوطن، ورُقيّه، وتمهّدُ الطّريق لِوَصِيٍّ جديد يستهوي نكهةَ الدمّ.
إنّ التردّد في هذه القضية هو إغفالٌ عن واجب يقتضي جرأةً حتميّة، وازنة، صَلبة، وخطّةً مرتّبة الأدوات، وممرًّا إلزاميًّا حاسمًا للتأكيد على أنّ إيديولوجيّة العلاقة بين الوطن والمواطن، لا تندرج في إطار التّكليف، بل الحقّ، وبدون ذلك، يضيع الصّراط المستقيم للإيمان بالأرض، وبالحياة، وبإنقاذ الحريّة، ويُدفَعُ بلبنان الى أعوامٍ سود، والى رَحِمِ البارود، ليموتَ ولا يعود…