صحيفة النهار – نبيل بومنصف
حتى سنة خلت كانت المعزوفة التعطيلية لفريق الممانعة لمنع انتخاب الرئيس الرابع عشر الذي يُفترض أن يخلف الرئيس ميشال عون تدور حول أسخف الحجج إطلاقاً التي فرضت على الجمهورية أن تتكيف مجدداً مع تجربة فراغ رئاسي إضافية في تاريخها وهي ذريعة “الرئيس الذي لا يطعن المقاومة”.
بعد إشهار “الحزب” “حرب المساندة” لغزة من الجنوب وصولاً إلى الجحيم الراهن الذي تغرق فيه إسرائيل الحزب واللبنانيين أجمعين بأنهار الدماء واجتياح الدمار، صارت الذريعة الأكثر تحديثاً هي ربط كل شيء ولا سيما أزمة الفراغ بنهاية الحرب، وصار “حامل مفتاح” المجلس الرئيس نبيه بري يتعهد قاطعاً بانتخاب “عاجل” لرئيس لا يحدد له مواصفات شرط إنهاء الحرب. والذين اعتادوا “تبييض الوجه” وفرك الأيدي تزلفاً، يصفقون لبري على الطالع والنازل غير متنبهين إلى أن مهارته المعروفة في إخراج الأرانب من كمّه لا تعدو كونها إعادة تلميع ضمنية لشروط شريكه الذي يخوض حربه المصيرية الحاسمة مع إسرائيل.
الحال أن لبنان الذي يغرق في نار أسوأ المجازر التي ترتكبها إسرائيل على أرضه متفلتة من أيّ ضغط دولي (غير موجود) وفي أسوأ انهيارات لبنان كدولة وسلطة و”مجتمعات” تحت نيران أسوأ الحروب التي تناوبت عليه في تاريخه، يقف عشية مرور سنة ثانية من الفراغ الرئاسي أعزل تماماً من أي قبس من ضوء على نحو لم يعد معه ممكناً مقارنة هذه التجربة “الفراغية” بما سبقها. والذين يعوّلون على أدبيات طالعة في الخطاب الديبلوماسي الخارجي، الغربي والعربي، تردد لازمة انتخاب الرئيس أسوة بتنفيذ القرار السحري 1701 الذي لا ردع استدراج “الحزب” لإسرائيل ولا ردع عدوانية إسرائيل، سيكتشفون بعد حين عقم التسرع في تحكيم الأمنيات قبل جلاء غبار المشهد الزلزالي المتدحرج الآن.
في أي حال، ثمة مقاربة أو مقارنة واحدة تصح في هذا الجحيم ولعلها ضرورة قصوى لإظهار الفوارق في تقلبات الأزمان اللبنانية زعامات ومسؤولين ومتعاطين مع الأزمات الكبرى والحروب والأنواء على اختلاف طبيعتها وظروفها. نقول لو كان في لبنان اليوم سيادة في الحد الأدنى الممكن وعدم ارتهانه وتحويله رهينة لدى مصالح الراهنين والمرتبطين بخارج يوظف لبنان في نفوذه، لكان انتخاب رئيس الجمهورية الآن، وفي اللحظة الجحيمية هذه، فعل الردع الأول للحرب، لمن سبّبها ولمن صعّدها سواء بسواء.
في تاريخ لبنان، وبصرف النظر عن أن كثيرين لا يرونه مشرفاً لهذه الجهة، شواهد تاريخيّة على كون تجارب انتخاب رؤساء وسط الحروب شكلت مفترقات حاسمة في تحويل مسارات البلاد من الأزمات إلى بدايات الحلول. انتُخب فؤاد شهاب عقب ثورة داخلية. وانتُخب الياس سركيس وسط بدايات “حرب الآخرين” و”الحرب الأهلية” سواء بسواء. وانتُخب بشير الجميّل وأمين الجميّل تعاقباً تحت زلزال الاجتياح الإسرائيلي حتى بيروت. وانتُخب رينه معوض وإلياس الهراوي تعاقباً تحت نيران نهايات الحرب. وانتُخب ميشال سليمان عقب حمام الدماء في اجتياح “الحزب” لبيروت الغربية. راجعوا الـ”قبل” والـ”بعد” كل انتخاب، قد لا تجدونه متوهجاً ولكن بقيت جمهورية وليس حطاماً كالذي يطمرنا الآن. ولعل انتخاب رئيس يشكل النار التي تصلي نار إلغاء دولة لبنان ودفنها مع شهداء هذه الحرب.