
يستمّر المدعو علي زعيتر ببثّ سمومه وتأجيج أحقاده تجاه البطريركية المارونية والشعب الماروني بشكلٍ شامل ودوغماتي، مسخّفًا كبداية وجود حليفٍ تاريخي لمحور الممانعة اسمه سليمان فرنجية، يأوي الآلاف من بيئة المدعو زعيتر في زغرتا وإهدن عرين الموارنة التاريخي في جبة بشري، وناكرًا لمعروف خصمٍ تاريخي لهذا المحور يأوي بدوره الآلاف أيضًا من بيئة زعيتر في قرى دير الأحمر الظهير التاريخي الخلفي للموارنة، ممعنًا بتزوير التاريخ والحض على الكراهية، والاصطياد بالماء العكر بين الشيعة والمسيحيين.
وكم كان يُسعدنا لو أن المدعو زعيتر يُعبّر عن فكره المتخلف فحسب، ويُمثّل حالةً استثنائية لا غير، غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أنه يُعبّر في العلن، وهذا ما نحترمه عليه، عمّا يُضمره في السر وفي العلن، جزءٌ كبير من بيئة محور الشرّ تجاه البطريركية المارونية والمسيحيين بشكلٍ خاص، وتجاه كل اللبنانيين السياديين عامةً.
أولاً ـ لا يتصرف البطريرك الراعي ببرودة ولامبالاة تجاه الحرب الجارية حاليًا، لأن الذين يُقتلون على يد اليهود هم من الشيعة، مثلما تدعّي يا علي زعيتر، فللكنيسة المارونية مواقف إدانة ثابتة تجاه أي ارتكابات أو جرائم تحصل بحق الإنسانية، وخصوصًا تجاه ما يتعرض له الأبرياء من الشعبين الفلسطيني واللبناني، وخير دليلٍ على ذلك، القمة الروحية التي عُقدت في بكركي الشهر المنصرم، بحضور المرجعيات الدينية الشيعية نفسها، لإدانة تلك الارتكابات، يمكنك في هذا الإطار مراجعة الشيخ أحمد قبلان والشيخ الخطيب عمّا هو موقف بكركي.
أما إذا كنت تنتظر من البطريرك أن يُصبح بوقًا دعائيًا لمحور الشّر حتى تكّف أبواق هذه الدعاية شرّها عنه وعن المسيحيين، فهذه طويلة كتير عليكم، خصوصًا أن القاعدة التي تفرّد حزبكم على أساسها بإعلان هذه الحرب العبثية المدمرة، تتناقض أصلاً مع كل مبادئ بكركي، ومع مبدأ قيام الدولة الفعلية، وتعتدي على إرادة اللبنانيين، وتنتهك سيادة لبنان. فالتضامن الإنساني مع الضحايا الأبرياء شيء، والموقف المعارض لحروبكم العبثية وسلاحكم غير الشرعي وانتهاككم للسيادة الوطنية شيء آخر مختلف تمامًا، ولا مساومة على الموقف الأخير حتى ولو تحت يافطة الانسانية التي ترفعونها لتبرير حروبكم العبثية، والتي لا تعترف أدبياتكم الايديولوجية ولا “ثقافة الموت والاستشهاد” لديكم بوجودها أصلاً، والدليل على ذلك حفر الأنفاق والملاجئ لتخبئة الصواريخ لا لتخبئة المدنيين، وتخزين الأسلحة تحت الأبنية والمنازل لا تخزين الأدوية والمواد الغذائية للنازحين، فحماية الصاروخ بالنسبة لكم أهم من حماية الطفل والمدني والبريء والمريض، لذلك فأنتم آخر من يحق له إعطاء الآخرين، وخصوصًا البطريركية المارونية دروسًا في التضامن الانساني.
ثانيًا ـ يدعّي المدعو زعيتر بأن برودة البطريرك تجاه مقتل الشيعة على يد اليهود تعود الى انه “سرياني والذين يُقتلون من العرب”، والسؤال الذي يطرح نفسه، ما لك أنت وبيئتك بالعروبة أصلاً؟ وهل يعترف الفكر الايديولوجي الديني بأي قومية، سواء كانت عربية أم غير عربية؟ كيف تدعّي الثقافة والدكترة يا علي زعيتر وأنت غافلٌ عن أبسط البديهيات في السياسة والتاريخ؟
اليك ما قاله الإمام الخميني بالذات في 18 نيسان 1980 عن العروبة التي تتشدّق بها: “…على كافة الشعوب المسلمة أن تعرف معنى كلام صادم حسين الذي قال فيه “نحن عرب”، أي إننا لا نريد الإسلام، والعرب أرادوا في وقتٍ ما الوقوف في وجه الإسلام… إن هؤلاء يريدون أن يُحيوا عهد بني أميّة، كما يريدون أن يعودوا الى ذلك العهد الجاهلي لتكون القوة عربية والنفوذ عربي”. ولعلمك يا علي زعيتر، فإن أكبر أعداء للعروبة اليوم هم “الحزب”، والإخوان المسلمين الذين تتفرع منهم حركة ح. والذين كانوا من أشد أعداء الزعيم القومي العربي جمال عبد الناصر، كون هذه العروبة تتناقض أصلاً مع فكرهم العقائدي الإسلامي الذي يقوم على مفهوم الأمة الاسلامية، بما في ذلك الشعوب الإسلامية غير العربية، وليس على مفهوم الأمة العربية الذي يقوم على الشعوب العربية، بصرف النظر عن ديانتها.
ومن أنت حتى تُصنّف أخلاق الناس وقيمهم تبعًا لمقولة عرب وغير عرب، فرسول الإسلام بحد ذاته قال: “إن الله لا ينظر الى أحسابكم ولا الى أنسابكم، ولا الى أجسادكم. إنما أنتم بنو آدم، وأحبّكم اليه اتقاكم”…
ولعلمك، العروبة ليست أصلاً ونسبًا، بل هي اللسان، كما يقول الحديث النبوي الشريف الذي رواه ابن عساكر “ليست العربية بأحدكم من أبٍ ولا أم، وإنما هي اللسان؛ فمن تكلم بالعربية فهو عربي”.
فالعربي هو من يتكلم العربية، لأن العروبة بحد ذاتها ليست قومية مثلما تتوهم يا علي زعيتر، بل كانت مجرّد تسمية جغرافية للشعوب التي كانت تقطن غربي الفرات، تمامًا مثلما نسمي اليوم الدول والشعوب التي تقع غربي المتوسط، بالشعوب الغربية، مع انها لا تنحدر من أصولٍ واحدة، والدليل الأكبر على ذلك اشتهار “علم الانساب” لدى العرب على نطاقٍ واسع، بحثًا عن الأصول والأنساب والجذور العديدة الضائعة عبر الزمن.
مهما يكن من أمر، فالانتماء الى العروبة اليوم، ليست باللسان فحسب، بل في الالتزام بمقررات جامعة الدول العربية، لا جامعة طهران، وتبنّي قضايا الشعوب العربية العادلة في الحرية والديموقراطية وتداول السلطة في البلدان العربية، وليس بقمعها وقتلها وتهجيرها كما حصل مع الشعبين العربيين السوري والعراقي، وكما يحصل في اليمن مع الشعب اليمني المتحالف مع الدول العربية لصالح الشعب اليمني المتحالف مع الفرس.
ولعلمك أيضًا وأيضًا يا علي زعيتر، فالعروبة نحن من أيقظناها من ثباتها العميق بوجه موجة التتريك، اعتبارًا من أواخر القرن التاسع عشر، فالمفكرون المسيحيون والموارنة كانوا روادًا في إحياء التراث العربي والنهضة العربية، من اليازجي والبستاني ونعيمة وجبران ومي زيادة، وإيليا ابو ماضي، وأمين الريحاني، وقسطنطين زريق، وجرجي زيدان، وآل تقلا، وآل الخازن، وصولاً الى الرهبان في الأديرة التي سخرّت مطابعها لنشر الأدب العربي وإحياء التراث العربي، وحتى مارون عبود والمئات غيره، وهو الذي سمّى ابنه “محمد” تيمنًا بالرسول العربي واحترامًا له، “فمن أحب الله ورسوله أحّب العرب ولغتهم العربية”، كما يقول الرسول العربي في أحد الأحاديث النبوية الصحيحة.
فمن أنت حتى تتطاول على الموارنة متسترًا خلف عباءة العروبة لخدمة أعداء العرب والعروبة في طهران؟ ما هو تاريخك؟ أين هي حضارتك؟ أين هي مخطوطاتك؟ أين هو إرثك الأدبي العربي المكتوب؟ أين هم مفكروك ومثقفوك العرب؟ أين هي قيمتك العربية المُضافة؟ وأين كنت أنتَ عندما كان السريان كتّاب دواوين لدى الخلافة الأموية والعباسية؟ أين كنت عندما كان الخلفاء العرب الأمويون مواظبين على زيارة الأديرة السريانية في سوريا؟ ما هو محلّك من الإعراب والصرف في كل قواعد اللغة العربية من ألفها الى يائها؟
فإذا كان الموارنة أصلهم سريان، فأصلك أنت من العجم، ولا تقل أصلي وفصلي لأن أصل الفتى ما قد حصل، وما قد حصل هو أن الموارنة أحيوا الحضارة العربية، فيما أمثالك يعملون فيها هدمًا وتشويهًا.
ثالثًا ـ يعتبر علي زعيتر أن العلاقة اليهودية المسيحية هي الأقرب، بدليل أن كتابهما العهد القديم واحد، وهذا ما يفسر بالنسبة له برودة البطريرك تجاه “مقتل الشيعة على يد اليهود”. لو كان كلامك دقيقًا يا علي زعيتر، لكان من المفترض أيضًا بالمطران الياس عطالله في فلسطين أن يكون قريبًا من اليهود، لا أن يُسخّر وسائل تواصله دفاعًا عن غزة، والأمر ذاته ينطبق على المطران خضر والمطران كبوشي، ومطارنة الأبرشيات في لبنان الذين دعوا مرارًا للصلاة على نية ضحايا الاعمال الحربية الإسرائيلية ضد حزب الممانعة، وكان يُفترض بكل الكهنة والمطارنة حول العالم، من أميركا اللاتينية وصولاً الى الصين أن يكونوا داعمين لإسرائيل ولليهود، علمًا أن المئات من قتلى الجيش الإسرائيلي هم من العرب والمسلمين وليسوا من اليهود، فهلاّ أخبرتنا كيف يجب أن يكون عليه موقف البطريرك في هذه الحالة؟ هل يُفترض به أن يُدين مقتل الجنود العرب في الجيش الإسرائيلي، لمجرد أنهم عربًا، والذين قتلهم هو صاروخ إيراني فارسي أو من اتباع الفرس مثلاً؟
كلامك يا علي زعيتر كله هراء بهراء، لأن موقف بكركي هو موقف مبدئي ووطني متوازن ومعتدل ينبع من المصلحة اللبنانية العليا، ومصلحة الدستور والدولة اللبنانية، وليس موقفًا على القطعة، ولا هو موقف ذو خلفياتٍ دينية بل موقف انساني ثابت، والأهم انه لا يتأثر بكل الباطل الذي أوصلهم اختلالكم اليه.
رابعًا ـ يدعّي علي زعيتر أن لامبالاة المسيحيين تجاه “مقتل الشيعة على يد اليهود” يعود الى أن الوعي الجماعي الماروني ما زال يحّن للغرب باعتباره الشقيق الأكبر لهم!! إذا كان الوعي الجماعي الماروني يحّن للغرب، فما دخل اليهود بذلك؟ الا تعرف أن الوعي الجماعي للغرب كان معاديًا لليهود وللسامية طيلة أكثر من 1500 سنة؟ ما تقوله هنا يا علي زعيتر، يتناقض كليًا مع اتهامك لنا بالقرب من اليهود، وعليك أن تُقرر موقفك حتى نبني على الشيء مقتضاه! وهل تعتقد بالفعل أن الوعي الجماعي الماروني يُفضّل اليهودي أو الغربي على المسلم المعتدل أمثال رفيق الحريري مثلاً؟ أو الدرزي من بني معروف شريكنا في صناعة تاريخ هذا الوطن؟ أو الشيعي المعتدل المتنور كالمفتي الأمين وسواه؟ هل تصدّق بالفعل أن الوعي الجماعي الماروني يُفضّل الغرب على المسلم اللبناني المنفتح المتسامح الحر السيادي؟ هل تعتقد بالفعل أننا نفضّل ماكرون على أشرف ريفي مثلاً لمجرد أن ماكرون غربي، وريفي عربي؟ ما هذا الهراء يا علي زعيتر، توقف عن التعميم والتزوير، فكل كلامك لا معنى له.
خامسًا ـ يعتبر المدعو زعيتر أن ما يؤكد على كلامه أعلاه، هو ما تذكره المصادر التاريخية عن تعاونٍ وثيق بين الموارنة والصليبيين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وعن حفاوة الموارنة بطلائع جيش الاحتلال الفرنسي عندما جاء الى لبنان سنة 1918، قائلاً بأن الموارنة لا يُشبهون الشيعة بشيء، فالموارنة خانعين راضخين يسيرون مع الظالم، فيما الشيعة متمردين!
لقد استلزمكم الأمر أكثر من ألف سنة يا علي زعيتر حتى وصلتهم بالنهاية الى الخلاصات التي كان الموارنة قد وصلوا اليها في القرن الثاني عشر، يكفي أن زعمائكم يستجدون الفرنسيين لوقف إطلاق النار، ويترجون أميركا الغربية لمساعدتهم حتى يقطعوا صلاتهم بإيران، ويستقبلون قوات اليونيفيل في منازلهم ومحلاتهم منذ عام 1978، ويستجدون فرنسا دولة الملوك الصليبين شارلمان والملك بلدوين ولويس التاسع وسواهم، للإبقاء على قواتها في الجنوب، ويهللون لما تقوله إسبانيا الملكة إيزابيلا وفرديناند، التي أخرجت المسلمين من الأندلس وأقامت محاكم التفتيش والحدّ عليهم.
مهما يكن من أمر، فالموارنة الذين استقبلوا الصليبيين فوق قمم كسروان وجبيل وطرابلس، كانوا هم أنفسهم من تمرّد على الصليبيين، بعد بضع سنوات، بعدما لمسوا محاولةً صليبية لليتنتهم، إذ يذكر المرؤرخ كمال الصليبي نقلاً عن المخطوطات التاريخية أن ابن كونت طرابلس ريمون وجّه في العام 1137 حملةً تأديبية على موارنة جبة بشرّي بعد اتهامهم بالتمرد والتسبب بمقتل والده الكونت.
حتى أن انقسام الموقف الماروني إزاء الصليبيين أوصل الأمور داخل الطائفة الى انتخاب بطركين، واحد في حالات موالٍ للصليبيين وآخر في جبة بشري مناهض لهما، ولم ينتهِ هذا الانقسام إلا اواخر القرن الثالث عشر بفعل الحملات المملوكية على موارنة جبة بشري التي أدت الى استشهاد البطريرك الثاني. إذ يذكر مؤرخ المماليك ابن عبد الظاهر المعاصر لتلك الأحداث، ما يلي:
“اتفق أنّ في بلاد طرابلس بطركًا عتا وتجبّر واستطال وتكبّر. وأخاف صاحب طرابلس وجميع الفرنجة. واستغوى أهل تلك الجبال وأهل تلك الأهوية من ذوي الضلال. واستمرّ أمره حتى خافه كلّ مجاور، وتحصّن في الحدث وشمخ بأنفه وما قدر أحد على التحيل عليه من بين يديه ولا من خلفه، ولولا خوفه من سطوة مولانا السلطان خرّب تلك البلاد وفعل أو كاد. فاتفق أنّ النواب ترصّدوه مرارًا فما وجدوه. فقصده التركمان في مكان وتحيّلوا عليه حتى أمسكوه وأحضروه أسيرًا حسيرًا. وكان من دهاة الكفر وطواغيهم. واستراح المسلمون منه وأمنوا شرّه. وكان إمساكه فتوحًا عظيمًا أعظم من افتتاح حصن أو قلعة. وكفى الله مكره”.
وهل تريد أكثر من هكذا تمرّد يا علي زعيتر بوجه أقوى الممالك والامبراطوريات؟ ولو أن الموارنة يستهويهم الذل والخنوع، مثلما تدعّي، لما كانوا سكنوا الجبال الوعرة والمغاور وارتضوا شطف العيش طيلة مئات السنوات، حفاظًا على حريتهم وحرية معتقداتهم، بل كانوا سكنوا السهول والمدن مثلما فعل غيرهم.
مهما يكن من أمر، فمن كانت فلسفته تروّج للتقية والباطنية وتربطهما مباشرةً بالإيمان، “التقية ديني ودين آبائي وأجدادي ومن لا تقية له لا إيمان له” (الإمام جعفر الصادق) ومن كان يدعو انطلاقًا من هذا البعد العقائدي “للصبر الاستراتيجي” و”التراجع التكتيكي” أمام العدو، فهو آخر من يحق التبجّح بالتمرّد، لأن التمرّد في هذه الحالة يتناقض مع إيمانه، فإما أن يكون متمردًا على قوى عظمى بخلاف مبدأ التقية الإيماني ويكون عندها قبلي وعشائري وطافر من وجه العدالة ولا دخل للشيعية كمذهب بهذا الموضوع، وإما أن يكون شيعيًا حقًا فيدرس خطواته بتأنِ ومن دون تهوّر، ويعمل وفق مبدأ الصبر على الظلم، و”بالتي هي أحسن”، بانتظار ظروفٍ أفضل، ولا يمكن الجمع بالنسبة لنا بين الطريقتين!
سادسًا ـ أمّا بالنسبة للمتعاملين الحقيقيين، ليس فقط مع الصليبيين، بل أيضًا مع المغول والتتار ضد المسلمين، فإليكم بعض مما تقوله فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية التي شكلّت سندًا إسلاميًا شرعيًا للحملات على كسروان:
إن “هؤلاء (أي الفرق الشيعية في كسروان) … لا يُقرّون بصلاة، ولا صيام، ولا حج ولا عمرة، ولا يحرّمون الميتة، والدم ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار، من جنس الاسماعيلية، والنصيرية، والباطنية، وهم اكفر من اليهود والنصارى بإجماع المسلمين”…
وممّا تورده فتوى ثانية: “وهؤلاء هم أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون، الخارجون عن السنّة والجماعة… مثل هؤلاء الذين فرّوا بأمر السلطان من أهل الجبل والجرد وكسروان… كل هؤلاء عددهم كفّار مرتدّون، أكفر من اليهود والنصارى… ولهذا يقدمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان. ولهذا لما قدم التتار الى البلاد وفعلوا بعسكر المسلمين ما لا يُحصى من الفساد وأرسلوا الى أهل قبرص فملكوا بعض السواحل، وحملوا راية الصليب وحملوا الى قبرص من قبل المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يُحصى عدده الا الله… وفرحوا بمجيء التتار، هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون، مثل أهل جزين وحواليها، وجبل عامل ونواحيه…”
هل هذا يكفيك يا سيد علي أم تريد المزيد؟ فإن كنت تدعّي حقًا تاريخيًا لك في كسروان، معتمدًا بذلك على ما تورده فتاوى ابن تيمية، فعليك أن تقبل بالمقابل ما تقوله هذه الفتاوى عنكم، إذ لا يمكنك أن تأخذ من هذه الفتوى ما تشاء وتترك ما تشاء! فإما أنك أنت المقصود بهذه الفتاوى، أم أن لا حقوق تاريخية لك في كسروان، فلك الخيار والاختيار… أما نحن فالحقيقة واضحة وجلية في جعبتنا، وقد استعرضنا جزءًا يسيرًا منها في مقالتنا السابقة الموجهة لك ولأمثالك من المُضللين.
سابعًا ـ وبالنسبة لتهليل الموارنة للجيوش الفرنسية المحتلة التي تحدثت عنه، فبعدما احلتك في مقالةٍ سابقة الى وثيقةٍ برقم 110 في أرشيف نائبكم السابق عباس الهاشم، موجهّة الى المفوض السامي الفرنسي سنة 1920، وموقعّة من قبل عددٍ كبير من مشايخ الصلح الشيعة في جبيل، والتي يدعو فيها هؤلاء لفرنسا بالنجاح والتوفيق والاستمرار في انتدابها للبنان، نحيلك اليوم الى بعض الوثائق المحفوظة في أرشيف الكي دورسيه الفرنسي، علّك تعتبر وتتوقف عن تزوير التاريخ وتُخرج بعض الأوهام الإيديولوجية المعششة في رأسك:
وثيقة تحت رقم 579 من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، نشرها المؤرخ أنطوان الحكيّم في الصفحة 650 من كتابٍ له باللغة الفرنسية يتعلق بنشر وثائق للدبلوماسية الفرنسية حول تاريخ سوريا ولبنان خلال حقبة الانتداب، ومما جاء في هذه الوثيقة:
“عريضة موقعّة من 250 شخصًا من أعيان وفعاليات ووجهاء شيعة جبل عامل موجهة الى جانب القوميسير الفرنسي جورج بيكو، ومؤرخة بتاريخ تموز 1919:
… أما الآن وقد درسنا المصلحة العمومية عميقًا تحقق لنا أن لا راحة لنا في الحال والاستقبال الا بإرجاعنا للوطن العزيز لبنان الكبير تحت مساعدة دولة فرنسا الفخيمة التي تحافظ على حقوق عموم الطوائف من دون تحيّز لأي كان متخذّةً الجد والاجتهاد في ترقية الشعوب على اختلاف النزعات….”
وثيقة تحت الرقم 440 منشورة في الصفحة 468 من الكتاب المذكور اعلاه، تحت عنوان: “طلب مقدم من قضاء البقاع موجه الى مؤتمر الصلح من خلال القوميسير الفرنسي، مؤرخ في 27 كانون الثاني 1919، وموقّع من قبل 291 شخصًا من أعيان ورجال دين من كل الطوائف، خصوصًا من قرى قصرنبا، ومشغرة، وميدون، وسحمر وتعنايل وجب جنين وميدون، وسواها يلتمسون فيه ضم البقاع الى جبل لبنان ودولة لبنان الكبير:
… إن السياسة التركية المؤسسة على استذلال الضعفاء واستصفاء أموالهم واستنزاف منابع ثروتهم قد نالت منا ما لم تنله من سائر الأقضية وحملتّنا مظالمها واستبدادها ما لم يحتمله قضاء آخر… ولما كانت الدولة الإفرنسية الفخيمة قد عطفت على لبنان وسوريا عمومًا منذ مئات السنوات وأمدّته (…) بكل أنواع المساعدة الأدبية والمادية فكان يرجع لها الفضل العظيم بترقية أبناء هذين الصقعين، فإننا نطلب تقرير حمايتها علينا ومساعدتها لما في حكومتنا”…
قرار رقم 80 من مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان بتاريخ 9 كانون الأول 1918، منشور في الصفحة 435 من الكتاب المذكور أعلاه، وموقّع من قبل أعضاء مجلس الإدارة بمن فيهم ممثل الشيعة تامر بك حماده، وموجّه الى مؤتمر الصلح، يطالبون فيه بتوسيع نطاق جبل لبنان ومساعدة فرنسا في الإدارة وتسهيل نشر العلم والمعارف وتقدم البلاد ورقيها…
إضافةً الى عشرات الوثائق الأخرى، فهل هذا يكفيك يا علي زعيتر أم ترغب بنشر المزيد مما يفضح أباطيلك وتزويرك، متأثرًا بأوهام القوة والعظمة والتمرد وعدم الرضوخ التي تعشش في رأسك فقط، وليس في وثائق التاريخ وحقائقه الدامغة.
ثامنًا ـ أما بالنسبة للوطن القومي الماروني أسوةً بالوطن القومي اليهودي الذي تتحدث عنه، فمن الضروري تذكيرك با علي زعيتر أنه عندما كانت الفرصة متاحة لنا لإقامة هكذا وطن في عام 1920 رفضت البطريركية المارونية ذلك، وأصرّت على دولة لبنان الكبير التعددية، ولو أن البطريركية المارونية اقامت وقتها الوطن القومي المسيحي لكنت أنت اليوم هباءً منثورًا بين ولاية الشام وايالة صفد والدولة المارونية القومية.
ولعلمك يا علي زعيتر، فالوثائق التاريخية تكشف بعد هذه الفترة الطويلة على إنشاء دولة لبنان الكبير، أن الفرنسيين نصحوا البطريرك بعدم السير بمشروع ضم الأقضية الأربعة ومدينة طرابلس، وحاولوا العمل سرًا على ذلك، غير أن البطريرك الحويك ذهب شخصيًا وهو بعمر التسعين من العمر الى مؤتمر الصلح للتشديد على لبنان الكبير، مهددًا الفرنسيين برفع شكوى ضدهم لدى عصبة الأمم في حال انقلبوا على تعهداتهم السابقة له بإقامة دولة لبنان الكبير.
تاسعًا ـ لقد قلنا ما قلناه يا علي زعيتر، ولن نعطيك شرف الرد عليك من جديد، فأمثالك دواؤهم التجاهل واللامبالاة تجاه كل ما يتشدقون به من كلامٍ “طالع نازل” وثرثراتٍ وأكاذيب لا معنى لها، يكفي أن تنظر الى ما استجلبته لكم الأكاذيب من ويلاتٍ ومآسي ونكبات، حتى تعود الى العقل والاعتدال والوعي والحقيقة.
فاعتبر، ولا تلعب بنيران التاريخ من جديد، حتى لا تحرقك في كل مرة، فهذا هو ملعب الموارنة الأحب الى قلبهم، وهذا هو ميداننا مع العلم والثقافة والحضارة والتنوير الذي جعل من لبنان سويسرا الشرق، فلا تورط نفسك في هذه المتاهة، وركّز على ما أنت وأمثالك فالحون فيه، من “أيامٍ وليالي وميدان”، لم تجلب للبنانيين سوى الفشل والتخلف والدمار والاحتلال، والآتي أعظم.