#adsense

الإنتدابُ ودَوارُ الأمخاخ

حجم الخط

هل قُدِّرَ لنا في لبنان، نحن الشّعب الذي لا يُخصِبُ فكرُه الدَفّاق إلّا في مناخِ الحريّة، أن نكتبَ بعد كلِّ مرحلةٍ انتدابيّة ملحمةَ نضالٍ لنزيحَ عن أكتافِنا كابوسَ الظّلمِ والقمعِ والاضطهاد؟. هذه الإشكاليّة ليسَت أُلْهُوَة، ولا عبارة عن مَحضِ قلقٍ وارتباك، وليسَت ارتجالًا عابرًا لتمريرِ موقف، إنّها سؤالٌ جدّيّ عن ” نيرونيّةِ” الانتدابِ الجديد الذي يجلدُنا بسياطِه، تهميشًا، وطغيانًا، وتدميرًا لخَصبِنا ليضحى يباسًا، ووَحلًا تحتَ قدمَيه.

إنّ موهبةَ لبنان العُليا، بل جوهر وجودِه، أنّه وُجِدَ ليكونَ، وبإرادتِهِ، نموذجًا للحريّة، فلا يُعقَلُ، إذًا، أن يَقبلَ بتعطيلِها، ويخضعَ للاستعبادِ والاستعمار، مهما مارسَ الانتدابُ الجديد التّحريضَ، وإثارةَ الفتنة، والتّرهيب… فلا استنفادٌ للنّضال، لأنّ صدى العنفوانِ، فينا، لم يكنْ، يومًا، باهتًا، ولن يكون.

إنّ الانتدابَ، في مسارِ التّاريخ، لم يكنْ سوى استيلاءِ دولةٍ على دولة أخرى، وجعلِها محميّةً مسلوبةَ السيادة، لنهبِ ثرواتِها ومَرافقِها، وإدارتِها مباشرةً، أو بالعملاء. واستنادًا الى ما نُعاينُ واقِعًا، هل نحن في خِضَمِّ مشروعٍ استعماريٍّ مشبوه، يسعى، حفاظًا على مصالحِهِ، إلى استثمارِ لبنانَ ورقةً على طاولةِ المفاوضاتِ حولَ الشّرقِ الجديد؟.

لقد مارسَ المُنتَدِبُ، في بلادنا، خطّةً مُبَرمَجَة، منذُ الرِّبعِ الأخير من القرنِ الماضي، بدأت بالهيمنةِ الأمنيّةِ الاستقوائيةِ لذِراعِه، واستُتبِعَت بهيمنةٍ سياسيّة، واحتكارٍ للقرار الوطنيّ، عَملًا بالعرف السّائد بأنّ مَنْ تمَّ استعمارُه أمنيًّا، سيُستَعمَرُ، بالضرورة، في المجالاتِ الأخرى. وهكذا، توالَت فصولُ الانتدابِ الجديد، إنكارًا للهويّة الوطنية، وتهميشًا لشرعية الدولةِ بتَقويضِها لصالحِ الدّويلة، واستبدالًا للديمقراطيّةِ بثيوقراطيّةٍ موصوفة، ومجاهرةً بولاءٍ لمرجعيّاتٍ وراءَ الحدود… ما فضحَ خلفيّاتِ المحليّين، وهم ذراعُ الخارجِ المنتدِب، وكشفَ شعاراتِهم المُمَوَّهة، وبيَّنَ نوايا الاستعمارِ الجديد بجعلِ لبنانَ ولايةً خاضعةً لمشيئتِه، يستغلُّها لمصلحتِه.

ليسَ مَنْ يُنكرُ أنّ الحربَ العبثيّةَ التي دمّرت البلاد، لم تكنْ دولةُ لبنان، أوشعبُه، في أساسِ قرارِها، وبالتالي، فلا ذرائعَ تُقبَلُ تحتَ مسميّةِ حربِ لبنانَ في مواجهةِ العدوّ الإسرائيلي. من هنا، فزَجُّ البلادِ في جهنّم، وفي دائرة الخطر، صدرَ الأمرُ به من قيادةِ الحرس الثّوريّ، في إيران، تحت عنوان إسناد غزّة، بل حركة ح، ثمّ تَوافَدَ قسمٌ من الحرس الثّوري إلى لبنان، لقيادة الحزب والحرب، بعدَ القضاءِ على قيادِيّي “الحزب”.

إذا عدنا إلى الإشكاليّة، لا يسعُنا إلّا أن نطرحَ النتائجَ التي كبَّدَت لبنان، من جرّاءِ جعلِه فريسةً في شِدقِ آلةِ العدوِّ الإجراميّة، أضرارًا هائلةً، لا تُحصى، في البشرِ والحجرِ والاقتصادِ والنّزوحِ والهجرة… ولمّا تقفِ الأضرارُ، بعدُ، عندَ حَدّ، بل تتفاقم، يومًا بعد يوم، ليتصبَّحَ الناسُ، مع كلِّ شمس، بلائحةٍ سوداءَ عن ضحايا، ودمار، وجَرفِ قُرًى، واستهدافاتٍ… في غمرةِ هذا السّيلِ من المآسي، والكوارث، والإبادة، وإعادةِ البلاد إلى القرونِ الحجريّة، لا يزالُ البعضُ، عندَنا، يُكابرُ، ويدّعي، وبعضٌ آخرُ يساندُ ويصفّق، والطّرَفانِ يعانيانِ، حتمًا، عقمًا في التّفكير، وقصرًا في النّظر، وإيمانًا بأوهامٍ مفلَّسة، وتَعَصُّبًا مَرَضيًّا خبيثًا، وغيابًا للوعي ولصوابيةِ التّعاطي مع الوقائع، إضافةً الى تَبَخُّرٍ تامٍ للعلاقةِ بالوطن، انتماءً وولاءً…

البعضُ ينتحر، والبعضُ السّاذجُ يباركُ انتحارَه، عِلمًا بأنّ الله لا يريدُه، وما هذا سوى دوارٍ يتحكَّمُ في أمخاخٍ صَدِئة… أمامَ هذه النّكبةِ المتمادية، نستنجدُ بالنّورِ السّماوي، عسى أن ينَجّيَنا اللهُ من الأَسوأ الآتي، وعلينا، نحن شرائحَ المجتمع اللبناني، على اختلاف المشاربِ والمذاهب، أن نتضامنَ بأخلاقيّةٍ وطنيّةٍ صحيحة، صارِخين “كفى”، رَفضًا لاستمرارِ الحرب، ورَفضًا للعودةِ إلى ما قبل تاريخِ اندلاعِها، ورَفضًا لانتهاكِ الدّستور بتعطيلِ المؤسّساتِ والاستحقاقات، ورَفضًا لأيّ انتدابٍ جديدٍ أيّا كان اسمُهُ…

هذه هي البدايةُ الجديّةُ المسؤولةُ التي تُثمِرُ نهضةً للوطن، ومجتمعًا واعيًا متماسِكًا يحبُّ الحقّ، والعدلَ، والحريّة…​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل