
لا يحتفَل بذكرى الاستقلال في أيّ بلد من بلدان العالم إلّا في تاريخ واحد. وحده الشعب اللبناني يعتبر أنّ استقلال 1943 هو استقلال أوّل واستقلال 26 نيسان 2005 هو استقلال ثانٍ، ويترقّب السواد الأعظم من اللبنانيين ذكرى الاستقلال الثالث. فيما رفض بعض الذين ادّعوا عبر التاريخ وطوال أربعة عقود اعتبار 25 أيّار 2000 ذكرى استقلال للبنان ليحتفظوا بهذا التّاريخ كمكسب فئويّ لهم. فهل سيجمع اللبنانيّون على تاريخ واحد يحتفلون به في استقلال تامٍّ ومنجزٍ وكاملٍ لوطنهم مبنيٍّ على صخرة صلبة؟ أم أنّ هذه الذكرى التي بُنيَت على رمال متحرّكة طوال هذه السنين، ستبقى ذكرى متجزّئة على قياس التنوّع الحضاري في لبنان؟
لا يمكن أن نحتفل بذكرى استقلال في وطن يرفض مواطنوه الاعتراف بأنّهم شعوب منقسمة على بعضها بعض في شعب واحد. ولَعَمْري أن يرى بعضهم في هذا انقسام لا يمكن تفاديه هي الخطيئة المميتة. إنّما التغاضي عن البحث في كيفيّة تخطّي هذا الانقسام هي خطيئة أكبر. فالحلّ بسيط وبديهيّ.
إن أردنا أن نجعل من شعوبنا شعبًا واحدًا فعلينا أن نبحث عن كيفيّة اتّحادها في نظام سياسيّ واحد اتّحاديّ. وإن أردنا أن نفكّ ارتباط بعض من هذه الشّعوب مع أنظمة ودول خارجيّة، إقليميّة أو دوليّة، فعلينا أن نثبّت الحياد. فأيّ نظام سياسيّ قاعدته التوأمة بين الاتّحاد والحياد وحده كفيل ببناء استقلال صلب لهذا الوطن على صخرة صلبة لا يتزعزع.
الاجماع الوطني للوصول إلى هذا الاستقلال الحقيقي بات اليوم أقرب بكثير ممّا كان عليه في الماضي القريب أو حتّى البعيد. فالصراع الكياني يتلاشى أمام حرّيّة كيانيّة وطنيّة داخل الوطن لكلّ مكوّناته الحضاريّة. وبذلك نستطيع الوصول إلى كيانيّة وطنيّة واحدة قوامها المشترَكَات الوطنيَّة بين مختلف المكوّنات الحضاريّة لهذا الوطن.
من هذا المنطلق، تنوّعنا الحضاري، هو مصدر غنانا الوطني. وتجزئة الاستقلال على قياس الانتماء الحضاري لمكوّنات الوطن يضعف بناء اتّحاد وطنيّ. وهذا ما يخدم المتربّصين شرًّا في قيام دولة سيّدة حرّة ومستقلّة في لبنان، وأوّلهم العدوّ الإسرائيلي؛ ويوفّر له ذريعة للاعتداء على الدّولة اللبنانيّة في كلّ لحظة يعتبرها تعدّيًا على كيانه.
نحن اليوم مدعوّون لقول الحقيقة الصعبة لأنّنا أبناء هذه المدرسة. إن لم نبنِ استقلالنا الجديد على صخرة صلبة، سنبقى على قارعة الدّول نستجدي قرارات أمميّة واتّفاقات هُدَنٍ سرعان ما ستسقط عند تغيّر موازين القوى أو حتّى عندما يقرّر أيّ مكوّن حضاريّ من لبنان أن يتنازل عن لبنانيّته تحت أيّ ذرائع كانت.
تنوّعنا هو إرادة ربّانيّة لم نختر يومًا أن نقبلها أو نرفضها. ولكن إن أصبحت هذه الإرادة يومًا عبئًا وطنيًّا على حقيقتنا الوجوديّة، لن ننكرها. لكنّنا سنبقى على سطوحنا الوطنيّة نترقّب عودة الأبناء الضالين إلى الوطن، لنفتح لهم بيوتنا وكنائسنا ومساجدنا ومدارسنا. ولأنّهم جاعوا أطعمناهم، وعطشوا شرّبناهم، وتشرّدوا غرباء في وطن ظنّوا أنّه ما عاد يشبههم فأويناهم، وباتوا عراة على قارعة الشوارع والأرصفة فكسوناهم. أصابهم العياء الوطني فزرناهم وطبّبناهم فاتحين أذرعنا لاحتضانهم. ويوم سجنوا في أفكار لا تشبه وطننا نحن الذين حرّرناهم، ولم نكتفِ بزيارتهم في وحدتهم الوطنيّة.
يقيننا أنّنا معًا كنّا عبر التّاريخ، ومعًا سنبقى. وقوّات الجحيم لن تقوى علينا متى اعترفنا كلّنا بحقيقتنا الوجوديّة هذه. ومَن سوّلته نفسه خلال أربعة عقود على نكران هذه الحقيقة، ها هو عاد يقرع الباب. ونحن الذين فتحنا له. وألبسناه الحلّة الوطنيّة الفاخرة. وجعلنا في يده خاتمًا نبويًّا. وفي رجليه حذاء صلب ليدوس فيه على رؤوس الأفاعي المرتهنة لغير الوطن. وذبحنا له العجل المسمّن ليأكل وينعم من خيرات الوطن الذي أحبّه، وهو يحبّه لو جعلوه ينكر ذلك. لأنّه كان ميتًا فعاش. وضائعًا فوجد.
فلا يعتبنّ أحد علينا إن قادتنا أخلاقنا الوطنيّة. لهم نقول: ” أنتم معنا في كلّ حين، أمّا هؤلاء فكانوا أمواتًا فعاشوا، وضالّين فوجدناهم.” ومعًا سنبني لبنان الجديد، واستقلالنا سيكون على صخرة صلبة. ولن نسمح لأحد بأن يهزّه يومًا طالما هذه الرّوح حيّة فينا. نحن الذين خوّفنا الخوف لأنّ الذي مدّنا بإيماننا في الحياة قال لنا على عدد أيّام السنة أي 365 مرّة لا تخافوا، فكيف نخاف إذًا؟
لبنان الجديد آتٍ حتمًا. صحيح أنّ مخاض ولادته قد طال. وطال كثيرًا. لكنّ الأوطان الصلبة هي كصخر قنّوبين لا يعيش فيها الدود. ولا تنبت على جانبيها الفطريّات. بل تشقّها جذوع الأرز فقط لتحيا. وما علينا إلا أن نكون الدّائرة الحمراء لنحمي هذه الأرزة، ليبقى لبنان وطننا، ولنبقى نحن فيه. وليكون استقلالنا الجديد على هذه الصخرة الصلبة بالذات. هكذا يكون لبنان، لأنّنا نجرؤ أن نكون حيث لم يكن آخرون.