تكاد الدرّاجة التي يمتطيها العماد عون تتوقّف عن الدوران، ويستعدّ الجنرال كما العادة للضغط على الدوّاسات بشكل يدفع الدرّاجة إلى الأمام، لأنّ التوقّف عن الدوران في علم الفيزياء الشعبويّة لا يعني إلّا السقوط.
ولم تكن بدعة التظاهر سوى إحدى الإبداعات التي لا يلجأ إليها إلّا مَن وجد نفسه يقترب بسرعة نحو الفشل على كلّ الصعد، بدءاً من الخيارات التحالفية الكبرى التي اقتربت من أن تعطي النتائج نفسها التي اعطتها في أواخر الثمانينات التحالفات مع صدّام حسين، مروراً بالخيارات المحلّية التي أوصلت الجنرال الى المشاركة في حكومة المكوّنات المركّبة، انتهاءً بالرهانات المستحيلة على لعب دور رأس الحربة في الهجوم على المحكمة والشهداء توقُّعاً للفوز من حزب الله بدعم يؤدّي الى لَيّ ذراع الشركاء الآخرين داخل الحكومة وأبرزهم رئيسا الجمهورية والحكومة والنائب وليد جنبلاط.
وتكفي مراقبة دقيقة لحالة انسداد الأفق التي يعيشها الجنرال لرؤية أنّ الرجل كما دائما يتّجه نحو لعب آخر ما تبقّى للتيار من أوراق في معارك معروفة نتائجها سلَفاً.
ففي الرهان على التحالف مع النظام السوري أسقط العماد عون نظريّة الثلثاء الحاسم وابتلع الخطاب العنجهي وانسحب الى صمت في الملفّ السوري، في استجابة الى بعض عقلاء التيّار، الذين وجدوا بعد تصريح ثلثاء الانتصار أنّ الجنرال بدا في ذلك اليوم كمَن يسير إراديّا إلى حقل ألغام لن يخرج منه سليماً، كما أنّ هؤلاء كانوا هم من سحبوا من التداول فكرة تجديد الحجّ السنوي الى براد، ذلك على الرغم من أنّ البعض الآخر المحيط بالجنرال كان يضغط بتواصل مع حلفاء النظام الذين رتّبوا سابقاً زيارات براد، لكي تحصل هذه السنة أيضا، وذلك في ذريعة أنّه لا يجوز أن يغيب التيّار عن براد هذه السنة لأنّه يكون قد اعترف أمام الاصدقاء والخصوم بأنّ أزمة النظام الحليف أزمة حقيقيّة، وأنّ خيار التحالف مع هذا النظام لم يكن موفّقا منذ البداية، وليس سرّاً هنا أنّ الجنرال كان يحبّذ حصول الزيارة، لكنّ الوقائع الميدانية داخل سوريا لم تترك له الكثير من التفكير في الموضوع وعاد وألغى الزيارة.
أمّا في ما يتعلّق بالمشاركة في حكومة التوازنات المركّبة، فقد بات الأمر أقرب الى المشهد الساخر منه الى الرصانة، فالعماد عون الذي ركب موجة حزب الله حتى الثمالة بأمل أن يدخل جنّة الحكم، وجد نفسه غير قادر على ترجمة المكاسب التي حقّقها بفعل نيله احد عشر حقيبة، وهو ما يعني انّ كلّ ما أعطاه لحزب الله وللنظام السوري ذهب سدىً بفعل اصطدامه داخل هذه الحكومة بجدار صلب يعيق تحويل "وزاراته" (التعبير لعون) الى ماكينة خدماتية يمكن ان تكسبه انتخابات العام 2013، والأمر نفسه ينطبق على التعيينات التي كان يأمل بأنّ الفوز بالحصّة المسيحيّة منها سيؤدّي إلى تعويض ما قدّمه منذ العام 2005 من تنازلات بمكاسب عينية، هذا مع العلم بأنّ حصّة الأسد التي نالها في هذه الحكومة لن تتكرّر، لأنّ ظروف إنتاجها قد انقضت، فلا حزب الله قادر على الإطاحة بها، ولا هو جاهز للاستعاضة عن رئيسها بآخر، ولا الحليف الاقليمي الذي دعم إسقاط حكومة الحريري مؤهّل بعد للتدخّل لإسقاطها وتشكيل أخرى أكثر طواعيّة.
بسبب هذه الوقائع التي لا تستحمل الغموض، قرّر العماد عون أن يختار الطريق الأسهل التي تجنّبه تكبّد المزيد من الخسائر، فسعى لتحويل نفسه الى متظاهر على طاولة مجلس الوزراء وتجاوز حقيقة أنّه يمتلك القدرة على إقالة الحكومة إذا ما استعمل الحصّة النظريّة التي يملكها وهي الكافية بتطيير الحكومة دستوريّاً، وحاول الحشد لتنظيم تظاهرات باتّجاه السراي، لكنّه ووجِه باعتراضات من داخل التيّار، حيث اعترض ناشطون وكوادر على محاولة استعمالهم حصراً دعماً لوزير الطاقة، ولم تسجّل هذه الاعتراضات في منطقة دون أخرى، إذ شهدت الكثيرَ من اجتماعات التعبئة أصوات عالية سجّلت معارضتها لسياسة التيّار ولأداء وزرائه، حتى إنّ البعض من هؤلاء الكوادر أعطى صورة غير مشجّعة عن القدرة على الحشد والتظاهر، لغياب أيّ هدف مبرّر من وراء التظاهر دعماً للوزير باسيل، في وقت يستطيع العماد عون بكلّ بساطة ان ينسجم مع موقفه من الاعتراض داخل الحكومة بالاستقالة، عِلماً أنّ البعض من هؤلاء اتّهم العماد عون بأنّه لا يمتلك القرار بالاستقالة، وأنّ هذا القرار موجود حصراً لدى حزب الله الذي يتمسّك ببقاء الحكومة، ولو أدّى ذلك الى الإضرار بمصالح حليفه.