#dfp #adsense

مافيا تحترف نهب الآثار وتهريبها

حجم الخط

كتب صبحي منذر ياغي في صحيفة "الجمهورية": عمليّات التنقيب غير الشرعيّة عن الآثار، وسرقتها وتهريبها خارج لبنان، ما زالت مستمرّة في لبنان من دون حسيب أو رقيب، وهي كانت ازدهرت خلال فترة الحرب، إذ كانت الآثار والكنوز والدفائن الأثريّة في بلادنا عرضة لخطرين: الإهمال والسرقة، وكان لصوص الحضارة اللبنانيّة مزيجاً متنافراً متعدّد الجنسيّة، إذ شارك في السرقة أطراف محلّيون، «ميليشياويّون» وتجّار آثار، وأشخاص عاديّون.

على رغم عودة الدولة إلى بسط سلطتها على الاراضي اللبنانية، وعودة الأمن بعد توقيع وثيقة الوفاق الوطني، ظلت عمليّات التنقيب غير الشرعيّة عن الآثار مستمرّة في لبنان، لا بل إنّ وسائل التنقيب والتهريب تطوّرت وتغيّرت لتتّخذ الشكل الجديد المتمثل بتعدّد الأشخاص الذين يقومون بالتنقيب عن القطع الأثرية والكنوز وقطع "الأنتيكا"، وبات هؤلاء ينتشرون في مختلف المناطق اللبنانية، بعدما أفادوا من انفتاح المناطق على بعضها، ممّا أدّى الى اتّساع رقعة أنشطتهم التي كانت زمن الحرب محصورة.

واللافت أنّ بعض هؤلاء مزوّدون بتراخيص حمل سلاح صادرة عن جهات لبنانية رسميّة، فضلاً عن انتماء معظمهم الى تنظيمات سياسية محلّية فاعلة، ممّا يوفر لهم الحماية والطمأنينة وحرّية الحركة والتنقّل.

تُستخدَم في عمليّات التنقيب عن الآثار آلات متطوّرة، في الوقت الذي تستمرّ فيه سرقة الآثار وتهريبها الى الخارج بأساليب وطرق جديدة، حيث ينشط تجّار الآثار و"الأنتيكا" والتحف بين بيروت ولندن وباريس، وعدد من الدول الأوروبّية التي تُعتبر السوق العالمية لتجارة الآثار والتحف والقطع الأثريّة والعملات النادرة.

شركاء نافذون

وحسب ما قاله "ع. ط" (أحد الذين يعملون في التنقيب والبحث عن قِطع الأنتيكا) فإنّ شركاءَه في عمله هم مجموعة من النافذين في تنظيمات محلّية، وإنّ حصّتهم تصلهم الى منازلهم لقاء ما يؤمّنونه ويوفّرونه من "مظلّة أمنيّة"، مؤكّداً أنّ "عدداً من الفنّانين الكبار والسياسيّين ورجال الأعمال شاركوا في الماضي ـــ ومنهم ما زال حتى اليوم ـــ في تهريب الآثار، وبيع "الأنتيكا" النادرة والقَيِّمة في عدد من الدول الأوروبّية، وثمّة "مافيا" عالميّة لها امتداداتها في بيروت وقبرص ولندن، تتولى شراء القطع الأثرية والتحف النادرة، وخصوصاً تلك التي يعثر عليها المنقّبون غير الشرعيّين، وتتولّى نقلها من لبنان الى الخارج.

والمنقّبون عن الآثار يتميّزون باحترافهم وخبرتهم، ويستخدمون التكنولوجيا المتطوّرة في عملهم، من آلات متطوّرة، ولم يوفّر هؤلاء "الإنترنت" لاستخدامه في عملهم، إذ يدخلون الى المواقع المختصّة بالآثار والتحف و"الأنتيكا"، للاطِّلاع على آخر المعلومات، ولديهم ألبومات وأدلّة و"كاتالوغات" من لندن ومن بعض الدول الأوروبّية.

آلة كشف الألغام

ولفتَ أحد الذين يعملون في البحث والتنقيب عن الآثار إلى الآلة المستخدمة في الكشف عن الآثار فقال: "نحن نستخدم في عملنا آلات لكَشف الألغام وهي منوّعة، ولكنّ أجوَدها هي بريطانيّة الصنع من نوع (أرادو 130، فهي تحدّد نوع المعدن وجودته على عمق 35 سنتمتراً، ونحن وفق خبرتنا ومن خلال رنين الآلة بتنا نستطيع تحديد نوعيّة المعدن، مع العلم أنّ الإبرة تتحرّك ببطء حين تكون القطعة الأثريّة أو التحفة من الذهب".

ويقول آخر: "يظنّ البعض أنّنا أصبحنا أثرياء جرّاء عملنا هذا، لكن تصوّروا كيف أنّنا نجتاز مسافات بعيدة ونصل أحياناً حتى الحدود السوريّة والأردنيّة للوصول الى المكان الذي نريد التنقيب والتفتيش فيه، مع ما يتطلّب ذلك من خطورة ومغامرة وتكاليف، حتى إنّنا عندما نعثر على قطعة أثريّة ونبيعها ونقتسم ثمنها، بحيث لا تتعدّى أحيانا حصّة الواحد منا الـ200 دولار أميركي من أصل سعرها، والسعر طبعاً حسب قيمة الآثار أو جودتها، والمنقّبون أحياناً يتّفقون مع صاحب الأرض المشكوك باحتوائها آثاراً ذات قيمة على اقتسام المردود بالتساوي".

تخريب القلاع والحصون

المنقّبون عن الآثار تسبّبوا بخراب الكثير من الحصون والقلاع والأماكن التاريخية خلال تنقيبهم العشوائي الذي طالما استخدموا خلاله أصابع الديناميت. وأكّد أحدهم "أنّنا كثيراً ما عثرنا خلال تنقيبنا على قطع معدنيّة من الفضّة يصل عمرها الى نحو 3000 أو 3500 عام، وأجمل أنواعها "ملكارت ــ إلهة صور"، وقطع برونزية تعود إلى العهود الرومانية والفينيقية واليونانية، وأغلى القطع الرومانية التي وجدناها تمثال جوبيتر، باخوس، فينوس… وقمنا بتهريبها الى الخارج عبر وسطاء وتجّار آثار وأنتيكا.

سُرقَ من لبنان

سَرقة الآثار ليست جديدة العهد في لبنان، فقد شهدت الحوادث في حرب لبنان وما بعدها سرقات لآثار مهمّة، حيث عدّدَها أحد المهندسين الأثريّين (رفض ذكر اسمه) وهو من المطَّلعين على خفايا تهريب الآثار التي حصلت في الماضي، وأبرز هذه المسروقات:

– تمثال الطفل يسوع، وهو مصنوع من الرخام، عُثر عليه في أشمون ــ صيدا، ونُقل من صيدا إلى مخازن جبيل، إلّا أنّه سُرق من هناك وبيعَ في زوريخ الى أحد تجّار الآثار، وأبلغ الأنتربول الدولي يومئذ السلطات اللبنانية بالأمر.

– مجموعة من حجر الصوان تختصر حقبات ما قبل التاريخ في لبنان، والتي وجدت في انطلياس ورأس بيروت وكانت موجودة في المتحف الوطني وباعها أحد المسؤولين الى تاجر أنتيكا، باعها بدوره الى تاجر آخر يعتقد أنه من آل الأخضر، وتم استرداد قسم منها الى المتحف الوطني في لبنان.

– مذبح من الرخام عليه نقوش من جهاته الأربع، عثرت عليه مصلحة الآثار في نبع رأس العين في بعلبك، وقيل يومئذ إنّه "إله الماء" وهو مذبح رومانيّ عليه كتابة باللغة اللاتينيّة، وفُقد هذا المذبح وبقي مصيره مجهولاً…

– وفي عام 1983 عُثر على معدّات كنسيّة ذهبية في عقار يملكه أنطوان أبو ناضر في بعلبك، وقد احتفظ بها أحد البعلبكيّين، وتقدّم المرحوم أبو ناضر بشكوى حيال هذا الأمر، كون هذه الآثار عثر عليها في ملكه، وتدخّل الرئيس أمين الجميّل في الموضوع لأنّه كان رئيساً للجمهورية في تلك الفترة وطلب فتح تحقيق بالموضوع لكنّه لم يصل الى نتيجة.

عودة تماثيل إلى لبنان

وكان السفير اللبناني السابق فؤاد الترك، وخلال عمله في السفارة اللبنانية في سويسرا، تمكّن من إعادة أربعة تماثيل من الرخام يعود تاريخها الى ما بين القرنين الثالث والخامس ق.م.، اكتُشفت في صيدا مطلع السبعينات ونُقلت في ما بعد الى جبيل، وهي تمثّل إلَه الشفاء الفينيقي "أشمون". أمّا سبل اختفاء هذه التحف من مستودع للآثار في جبيل وطريقة إخراجها من لبنان يومذاك فما زالت لغزاً… مسؤول دليل آثار أشمون" رولف ستاكي" أكّد صحّة الأمر لأنّه حتى عام 1993 لم يكن ثمّة دليل مطبوع ومفصّل يمكن الاعتماد عليه لتحديد هويّة هذه المجموعة الثمينة. أمّا اليوم فبات من السهل التعرّف الى هذه التحف بعدما تمّ طبع دليل مفصّل لهذه المجموعة والمجموعات الأثريّة الأخرى، وهذا ما حصل بالفعل في معرض "سوثبيز" في لندن عندما أوقف أصحاب هذا المعرض بيع تمثال رابع من هذه المجموعة نفسها بعدما تأكّدوا من هويته، وتمكّنت السلطات اللبنانيّة من استعادته وفق القانون الدولي عام 2001.

بحر من الآثار والكنوز

سَرقة الآثار من لبنان وبيعها في الخارج ما زالت مستمرّة، ومخازن الآثار والمتاحف العالميّة مليئة بتُحف وأثريّات لبنانية تحمل سِمة "سُرقَ من لبنان"، وعلماء الآثار يؤكّدون أنّ لبنان عائم فوق بحر من الآثار والكنوز، وعلى السلطات الرسميّة والجهات المعنيّة العمل على استخراجها والحفاظ على هذه الثروة الوطنية وحماية تراثنا وكنوزنا من أيدي العابثين ولصوص الآثار الذين هم لصوص الحضارة اللبنانيّة، لأنّهم يسرقون تاريخنا من أرضنا.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل