
إنّ مقاربة المرحلة المقبلة مرهونة بتحرّكات الميدان. فوقف إطلاق النّار الذي وقّعت عليه الحكومة اللبنانيّة مع حكومة العدو الإسرائيلي يبقى مرهونًا أيضًا بدوره بأداء طرفي الصراع، أي منظمة الحزب وإسرائيل. ولكن سرعان ما اهتزّ هذا الاتّفاق على وقع تحرّكات الميدان. وكاد أن يهوي لولا الضّغوط الأميركيّة التي مورست على الحكومة الاسرائيليّة لثنيها عن الردّ على الدّولة اللبنانيّة. فهل سيصمد هذا الاتّفاق ولاسيّما بعد اتّساع الحرب صوب الساحات الاقليميّة المجاورة؟ أم أنّه سيسقط بحكم الأمر الواقع؟ هل هنالك أي احتمال لتطويره في العهد الجمهوريّ المقبل بعد 20 كانون الثاني القادم؟
ما لم يتنبّه إليه بعض المراقبين أنّ الاتّفاق الذي رعته الإدارة الديمقراطيّة في أمتارها الأخيرة قبل الرّحيل، لم يتمّ بين منظّمة الحزب والحكومة الاسرائيليّة، أيّ طرفي الصراع، إنّما تمّ بين فريقين دستوريّين بحسب القانون الدّولي، أعني الحكومتين اللبنانيّة والاسرائيليّة. وهذا ما وفّر لحكومة العدو الذريعة الدّستوريّة والدّوليّة للردّ على الحكومة اللبنانيّة ومؤسّساتها في حال وقع أيّ اعتداء على أراضيها. وهذا ما وفّر للاسرائيلي ورقة ضغط جديدة على الأميركي ليمنّنه بعدم ضرب الدّولة اللبنانيّة والاكتفاء فقط بضرب مواقع أو تحرّكات يشتبه بها تابعة لمنظّمة الحزب فقط. وذلك ليبدو نتانياهو أمام أعين المجتمع الدّولي كذلك الحريص على الحفاظ على إنجازات الإدارة الديمقراطيّة والمجتمع الدّولي معها.
ولعلّ هذا الحرص المزغول هو الذي سمح للفالق السّوري بالاهتزاز، وجعل العرش الأسدي على أمتار قليلة من السقوط المدوّي. وهذا ما قد ينسحب زلزالا مرجرجًا في المنطقة كلّها، قد تصل ارتداداته إلى دول الإقليم من إيران إلى العراق وحتّى تركيّا. ويبقى أنّ لبنان هذا البلد الصغير الواقع على طريق الفيلة، أصبح أمام اختبار صمود اتّفاق وقف إطلاق النّار الذي وقّع على إيقاع استسلام منظّمة الحزب تحت ضغوط المجتمع الدّولي السياسيّة، وتحت وطأة آلة القتل والتّدمير الاسرائيليّة.
وما يجب ملاحظته في هذا السياق هو رفض منظّمة الحزب الاعتراف بهذا الواقع، ومحاولاتها الدّؤوبة، عبر أمينها العام الطّارئ، تظهير عمليّة الاستسلام هذه على أنّها انتصار إلهيّ جديد. ولكن ما حدث بعد صدور القرار1701 في العام 2006 لا يمكن تكراره اليوم، ولاسيّما أمام هول الدّمار والانكسار الذي باتت فيه بيئة هذه المنظّمة المكسورة. وذلك لأن أجندة المجتمع الدّولي اختلفت عمّا كانت عليه في العام 2006 حيث كان منهمكًا في محاربة الإرهاب الذي ضرب في 11 أيلول 2001، أمّا اليوم فالتوجّه نحو الاجهاز على كلّ ما قد يعيق المشاريع الاستثماريّة التي يخطّط لها.
لذلك كلّه، هذا الاتّفاق الذي وقّع بين حكومتين تمثيليّتين محكوم بالصمود إلّا إذا قرّرت منظّمة الحزب التمادي في عرقلة مسار المشاريع الدّوليّة. هذه المشاريع التي تقوم على بنية اقتصاديّة -استثماريّة في الشرق الأوسط، ولاسيّما في شرق البحر الأبيض المتوسّط لتستطيع الشركات المستثمرة في حقول الغاز تأمين سلامة وأمن استثماراتها. ويبقى أنّ سقوط هذا الاتّفاق محكوم بتطوّرات الميدان التي تتحكّم بها إسرائيل، وقد تعمد إلى ذلك لتستطيع تحقيق مكاسب أكبر مع العهد الجمهوريّ المرتقب. ومَن يعرف ما تمّ الاتّفاق عليه في زيارة نتانياهو لترامب قبل الانتخابات الأميركيّة؟
لكن على ما يبدو من مسار الأحداث التصاعدي والتصادعي أنّ العهد الجمهوري المقبل سيكون عهد بناء تسويات ثابتة وسلام استراتيجي في الشرق الأوسط. وعلى دول المنطقة أن تختار بين سلامين: السلام الاستراتيجي المبرّر بستوية صلبة تبدأ من تطبيق الاستسلام المشرِّف، وبين سلام حقيقي يكون على قاعدة win – win. لكن على ما يبدو أنّ السلطة الموجودة اليوم في لبنان هي محكومة بالسلام الأوّل لأنّ منظّمة الحزب ومحورها غير قادرة على إقناع جمهورها بعكس ما كانت تقوم به طوال أربعة عقود. لذلك كلّه، أعتقد بأنّ السلام الاستراتيجي الذي توصّل إليه المجتمع الدّولي بين الحكومتين عبر إيعاز إيرانيّ – أميركي هو الذي سيحكم العهد الجديد في لبنان بعد التوصّل إلى تشكيل السلطة الجديدة.
وهذه السلطة الجديدة التي نتحدّث عنها لا يمكن أن تقوم على اجترار تجارب الماضي. إنّما هي سلطة لا بدّ أن تنبثق من إرادة مجتمع مختلف قرّر أن يكون في اتّحاد محايد. وهذا ما قد يترجم بدفن الصيغة المركزيّة لإعلان قيامة الصيغة الجديدة التي يجب أن تنطلق من الرّوحيّة السياسيّة التي بثّتها وثيقة الوفاق الوطني، وقوامها عقد اجتماعيّ لامركزيّ موسّع. تراعى فيه خصوصيّة المكوّنات الحضاريّة واختلافها وائتلافها على احترام فردانيّة الشخصيّة الحضاريّة لكلّ منها.
عندها فقط، تصبح المقدّسات المجتمعيّة والدينيّة أكثر تجذّرًا لأنها تستعيد احترامها من المتزلّفين الذين لا يوفّرون أيّ مناسبة ظنًّا منهم بأنّهم يحقّقون خرقًا أو حتّى اختراقًا حضاريّة في البيئات المتناقضة حضاريًّا؛ كأن يتمّ تسمية ضريح أمين عام منظّمة الحزب السابق ” نور من نور” أو كإقامة شجرة ميلاديّة تحمل صوره وشعارات حزبه غير الإلهي، في محاولة لتأليه هذه الشخصيّة التي نحترم مواقفها على اختلافنا الكياني معها بالكامل.
هذه هي صورة لبنان الجديد التي نسعى إلى تكريسها. دولة اتّحاديّة -حياديّة. يحترم فيها المختلفون اختلافاتهم. ويقبل فيها المؤتلفون بعضهم بعضًا على قاعدة في الاتّحاد قوّة لا تسجيل نقاط بعضهم على بعض. وذلك لن يتمّ إلا عبر تنفيذ آليّة القرار 1701 الجديدة التي وحدها ستضمن إعادة الوطن الموعود إلى الجمهوريّة القويّة.
تنتظرنا أيّام ميلاديّة وقياميّة على القواعد القِيَميّة التّاريخيّة لشعوبنا اللبنانيّة الاتّحاديّة. وما حاولوا صهره حضاريًّا عبر الزّمن، شكّل حقبة تاريخيّة ضائعة من عمر الشعب اللبناني الموعود. ولكن مئة عام في عينيك يا ربّ هي كأمس الذي عبر. وإيماننا بأنّنا سنكون. لأنّنا لم نقبل عبر تاريخنا كلّه إلّا أن نكون حيث لم يجرؤ غيرنا على ذلك. وسنكون.