
مسار الكون واضح. فهو لا يسير من تقاء ذاته. ولا يتطوّر من تلقاء ذاته. والتفسيرات العلميّة كلّها سقطت في لحظة إيمان. فالوجود والموجود ما كانا لولا واجد كوّنهما. من هنا بالتحديد نفهم مقاربة الحياة في هذا الكون. وهذا الواجد ليس بقوّة فاعلة نتيجة تفاعل علميّ ما بين مكوّنات ما من هذا الكون.
إنّما هذا الواجد هو الكلّ بالكلّ، والضابط الكلّ، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى. هو النّور الذي من النّور. ولا يمكن تسمية إنسان أرضيّ بذلك لأنّه لا شريك للنّور بنور آخر أخفتَ منه فيضيع فيه حتمًا. به وحده كان كلّ شيء، وقبله لم يكن أيّ شيء. هو القبل. وهو البعد.
لذلك، يعلم كلّ شيء. ويعلم متى يتدخّل في مسار التّاريخ لأنّه يدرك منذ لحظة الخلق الأولى أنّ الانسان الذي خلقه مفطور على الشرّ. وكما صرخ لقايين يوم قتل أخيه هابيل: “صوتُ دم أخيك يصرخ إليّ من الأرض. والآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فمها لتقبل دم أخيك من يدك… طريدًا شريدًا تكون في الأرض”.ط
هذه الجريمة التي ارتكبها قايين، لم يغضّ الطَّرْفَ الواجِدُ عنها، بل أرسله إلى العقاب الذي ناله نتيجة دم أخيه المسفوك بأن أعاده إلى تراب هذه الأرض، وحرمَه من حياته الأبديّة. وتركه صريعًا في فلسفة البقاء مع الوجود الذي أوجده فيه. حتّى بات خبزه مغموسًا بعرق جبينه، لا بل بدماء يديه المغروستان في تُرَبِ الوعر بين العوسَج والصّخر والنّار.
وغاص الموجود، أي الانسان في صراع البقاء مع ذاته أوّلًا ومع الوجود ثانيًا. لكنّ الواجد الذي ما فتئ يكلّمه غبر التّاريخ في محطّاتٍ مختلفةٍ صار هو الله. أدّبه تأديبًا وإلى الموت لم يسلِمْهُ. وأعطاه الوعد بالخلاص من عذاب هذه الأرض. زرع فيه الأمل والرّجاء. كافح وناضل وقاوم كلّ مَن حاول أن يصرعَهُ، حتّى تحقّق هذا الوعد. فأرسَلَ ابنه الوحيد من أجل خلاصه، نزل من السماء وتجسد من روحه القدّوس، وسكن في حشاء عذراء اصطفاها أطهر النّساء.
تأنّس لكنّه صلب عن الذي وُجِدَ من أجلِهِ، في عهد رمز طغاة ذلك الزّمان. تألم وقبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث بحسب الوعد الذي قطعه الواجد للموجود ليبقى الوجود. ثمّ صعد إلى السّموات، وجلس عن يمين أبيه، ولكنّه سيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، لأنّ ملكه بلا انقضاء. فهو الواجد الموجود غير المحدود والواحد المولود غير المخلوق. وقبله لم يكن أحد. وبعده صار الوجود كلّه على رجاء القيامة.
ومنذ ذلك الزّمن وحتّى انقضاء هذا الزّمان، نحيا على رجاء القيامة. ولا نموت لأجل الموت، بل نعيش لأنّنا قياميّون. إن صلبتنا غدرات هذا الزّمن، ومهما طالت مدّة صلبنا، نؤمن بأنّنا سنقوم في يومنا الثّالث لأنّنا أبناء هذه القيامة بالذات. ومهما طالت الأزمات التي تعصف بنا وبوجودنا نتمسّك بالأمل؛ لا بل نحن الذين نصنع الأمل بتمسّكنا بهذا البعد النّهيوي الإيماني الذي لا يشبه أبعاد هذا الزمان.
نخرج بالمكان من المكان لأنّنا نؤمن بالعبور. وندرك أنّ بعد عبورنا سنبني مستقبلنا. هذا المستقبل الذي لطالما حلمنا وعملنا لبنائه. ومَن لا حلم لديه فهو يغور في التّراب وينتهي. أمّا نحن فأحلامنا التي نبنيها إنّما نبنيها بآمالنا وآلامنا. ونعمل ما نأمل ونؤمن به لنصل إلى ما نحلم به. ولا شيء مستحيل طالما هو تحت ناظري الرّبّ الذي خلقنا في هذا الوجود.
ندخل من الباب إلى حظيرة الوطن لأنّنا رعاة صالحين في مجتمعنا، ولسنا لصوصًا. لذلك، يفتح لنا البوّاب. والخراف تسمع صوتنا. ونذهب أمامها. وهي تتبعنا لأنّها تعرف صوتنا. وأمّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ. ولو أنّ بعض الخراف قد سمعت صوت غيرنا إلّا أنّها أدركت أنّهم سرّاق ولصوص لذلك عادت ونبذتهم. فهؤلاء لم يأتوا إلا ليسرقوا ويذبحوا ويهلِكوا. ولكنّنا هنا ليكون للوطن حياة أفضل. نحن نبذل أنفسنا عن خرافنا. أمّا الأجراء فليسوا رعاة. ولأنّ الخراف ليسوا لهم فعندما رأوا الذئب مقبلا تركوا الخراف وهربوا، فخطفهم الذئب وبدّدهم في سجونه. فالأجير يهرب لأنّه أجير، ولا يبالي بالخراف. أمّا الراعي الصالح فيبذل نفسه عن خرافه. ويسعى لإحضار الخراف الأخر الذين ليسوا من هذه الحظيرة ليكون لهم وطنًا واحدًا ورعيّة واحدة وراعٍ واحد.
ومعًا نصنع الأمل. بعد الأزمات كلّها لأنّ الراعي الصالح لم يتركنا يومًا، بل ارتضى أن يتألّم فداء لنا. صلب مات وقبر لكنّه قام في اليوم الثالث فكانت لنا القيامة التي وعدنا بها الواجد منذ بدء التّكوين. وهذا المثال في القيادة وحده الذي يبعث الأمل فينا. ولنا ملء الثقة والإيمان أن لا مكان للخونة إلا على الحبال المعلّقة على أغصان أشجار التّين الغضّة.
ولا يخطئنّ أحد فيعتقد لوهلة أولى، عندما يغتصب الأجير القطيع بأنّ الواجد أي واجد الرّاعي الصالح، لن يتدخّل في مسار التّاريخ، ليعيد الرّعية للراعي الصالح. هذا الرّاعي الذي أناط به واجد هذا الوجود هذه المهام، منذ أن كان تحت التينة، يوم قرّر أجير ذلك الزّمان، ذبح الأطفال كلّهم، خوفًا على عرشه من طفل ملك، ولد في الوقت عينه معه.
ميلاد الوطن الموعود آتٍ لا محالة. لأنّنا آمنّا ورأينا وسمعنا صوت الرّاعي الصالح. ولا نخاف من إعادة بناء الهيكل الذي دمّره لصوصه. فنحن الفلّاحون والكرّامون والبنّاؤون. ووطننا يأبى السلاسل لأنّه أرض السنابل. هكذا يعود أهلي إلى الحياة، لأنّهم قياميّون وتغمر تلالنا البسمات، وتفيض غلالنا بالخير لأنّه لن يصحّ إلّا الصحيح. والأوان قد آن. وصحّ الصحيح.