جزين لن يخدعها حصان طروادة
النائب ميشال عون يزور الجنوب اللبناني. ليس في ظاهر الخبر ما يثير الدهشة. ولكن تفاصيل الخبر تثير كل الشكوك، أو عذرا، تؤكدها…
ومن الواضح للجميع أن برنامج الزيارة أعده مسؤولو "حزب الله" وليس مسؤولي "التيار الوطني الحر". فعون بدأ زيارته في قانا وليس في أي مدينة أو بلدة أو قرية مسيحية، لأن واجب الولاء وإعلان الطاعة لحزب ولاية الفقيه أمر لا بد منه. و"الجنرال" مطيع… مطيع.
هكذا قرر عون صاغرا مطيعا أن يدخل الجنوب من بوابة حزب ولاية الفقيه حاملا الى أبناء الجنوب المسيحيين التزاما أبديا سرمديا بسلاح "حزب الله" الذي أرهق الجنوبيين وأوقع في صفوفهم عشرات، لا بل مئات الشهداء.
زار عون الجنوب رافعا راية "حزب الله" الساعي أبدا الى التمدد على حساب القرى والمناطق المسيحية.
عون قال في قانا إنه شعر بـ"الثورة" لدى وضعه الإكليل على أضرحة شهداء مجزرتي قانا. ترى بماذا كان سيشعر لو سمح له "حزب الله" بزيارة الأراضي الزراعية التي صادرها من أصحابها المسيحيين وحوّلها مراكز عسكرية في عمق القرى المسيحية؟!
بماذا كان سيشعر لو واجه أصحاب هذه الأراضي وأبناء تلك القرى الذين يشعرون بأن ما يخطط له "حزب الله" يكاد يكون مشروع تهجير نهائي للمسيحيين من الجنوب.
لو سمح حزب ولاية الفقيه لأسيره ميشال عون أن يستمع الى أسئلة المسيحيين الجنوبيين، بماذا كان سيجيبهم عن بعض أسئلتهم وهواجسهم:
ـ لماذا يصادر "حزب الله" أراض مسيحية ليقيم مراكزه وتحصيناته العسكرية وينصب صواريخه؟
ـ بأي حق يمنع الأهالي من الذهاب الى أراضيهم؟ ومتى ينتهي منطق القوة المسلحة لمصلحة منطق الدولة؟
ـ متى يسلم "حزب الله" سلاحه الى الدولة اللبنانية والأجهزة الشرعية؟
ـ ألا يحق لأبناء القرى المسيحية في الجنوب أن يعيشوا "في كنف الدولة" عوض أن يحاول "حزب الله" إخضاعهم وترهيبهم بمنطق السلاح والصواريخ؟
ـ لماذا يعمد "حزب الله" الى قضم أراضي المسيحيين تدريجيا ومنهجيا مستعملا الأموال "النظيفة"؟
ـ ما هي النتائج العملية لوثيقة التفاهم التي وقعها مع "حزب الله" بعد حوالى 35 شهرا على توقيعها؟ ولماذا لم ينجح في إقناع حليفه الالهي بالقبول بإصدار قانون عفو عام يسمح بعودة اللبنانيين الذين هجرهم "حزب الله" الى إسرائيل تحت طائلة "ذبحهم في فراشهم"؟
ـ لماذا صار "الجنرال" يربط مصير سلاح "حزب الله" بمصير عودة اللاجئين الفلسطينيين وحل قضايا المياه وكل قضايا الشرق الأوسط؟
الأسئلة والهواجس التي تعتمر في نفوس المسيحيين الجنوبيين لا تتوقف عند هذا الحد ولا تنتهي. والثابت بالنسبة الى المسيحيين الجنوبيين أن كرامتهم وكرامة شهدائهم تسموان فوق الجميع، وهم لن يسمحوا لأحد أن يتاجر بها لمصالحه الخاصة.
وفي حساب الكرامة مثلا، فإن عون الذي ادعى عشية زيارته أنه يريد استعادة جزين، إنما يحاول أن يبيع جزين وأبناءها الى تحالفه مع "حزب الله" عبر ترويض أبنائها لإلحاقهم بالمشروع السوري- الإيراني.
وفي جزين سيسمع عون، إذا كانت بقيت له أذنان تسمعان بغير اللغة الفارسية واللهجة السورية، سيسمع دماء شهداء جزين تصرخ: لن نقبل أن نستشهد مرتين على يد الجهة نفسها: مرة في الحرب ومرة في الانتخابات النيابية المقبلة.
سيسمع أصواتا زلزلت تحت أقدام من حاولوا تدنيسها وهدر دماء أبنائها تصرخ: جزين التي رفضت التبعية والرضوخ، وبقيت صامدة وشامخة في وجه كل أنواع الاعتداءات التي استهدفتها لن تبيع تاريخها ودماء شهدائها وكرامتها وأصواتها الى من باع المسيحيين بثلاثين من الفضة "النظيفة"!
في اختصار: جزين لن تركع اليوم أمام "حزب الله" ولو أتاها بـ"قناع" اسمه ميشال عون! و"حزب الله" الذي فشل في اقتحام جزين عسكريا طوال المرحلة الماضية لن يسمح له أبناؤها اليوم بدخوله عبر حصان طروادة اسمه ميشال عون!
على الهامش: إحدى اليافطات التي رفعها العونيون على مفرق أيتولي كتب عليها: "الأسد يأتي الى عرينه". وثمة تصحيح واجب على هذه اليافطة. فعون ليس الأسد، بل أصبح مجرد ممثل للأسد ونظامه في لبنان. ومن يقرأ التاريخ جيدا يدرك أن جزين التي قهرت جيش الأسد في الحرب، لن تستسلم أمام ممثل الأسد في زمن السلم مهما بلغت التضحيات ومهما تعاظمت تهديدات جنود مشروع ولاية الفقيه في لبنان وحلفائهم.