
بعد ميلاد يسوع بثلاثة أيام رحل الديبلوماسي والمفكّر الكبير الدكتور شارل مالك عام 1987، والدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوّات اللبنانيّة” تعتبر مالك أحد ملهميها نظرًا إلى فكره الوطني الليبرالي والإرث الثقافي الذي تركه ويتمحور حول الحريّة وحقوق الإنسان وكرامته.
وُلِدَ مالك عام 1906 في عائلة أرثوذوكسية، في بلدة بطرّام، في قضاء الكورة. بدأ دراسته في مدرسة التبشير الأميركية في طرابلس، ثم أكملها في الجامعة الأميركيّة في بيروت، فأتقن اللغة العربية والفرنسية والإنكليزية، كما اهتم بالرياضيات والفيزياء والفلسفة، وخاصة بفلسفة العلوم.
كان طالبًا مُتميزًا أثار إعجاب معلميه في جامعة هارفرد التي انتقل إليها عام 1932، فقرروا إعطاءه منحة سفر، فذهب إلى جامعة “فرايبورغ” لدراسة الفلسفة على يد الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية واستقلال لبنان، عُيّن سفيرًا للبنان لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وبعد تقديم أوراق اعتماده، في 19 نيسان 1945، أُرسِل على الفور إلى مؤتمر سان فرانسيسكو، حيث جرى التفاوض والموافقة على العقد التأسيسي للأمم المتحدة، وكان مالك أحد أبرز واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وفي وقت لاحق، عُيّن مالك رئيسًا للمجلس الإقتصادي والأجتماعي، ثم رئيسًا للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة، وفي أثناء تولّيه هذه المهام استأنف مهامه كسفير للبنان في الولايات المتحدة الأميركية، وكان ذلك في النصف الأول في الخمسينيات من القرن العشرين، وعيّن وزيرًا للخارجيّة من تشرين الثاني 1956 حتى أيلول 1958، ووزيرًا للتربية حتى آب 1957، ونائبًا في المجلس النيابيّ اللبنانيّ، في دورة وحيدة.
عاش شارل مالك منذ عام 1975 نشأة “المقاومة اللبنانيّة” في أعماق أعماقه، سواء في “جبهة الإنسان والحرّيّة”، أم في “الجبهة اللبنانيّة”، أم ضمن “القوّات اللبنانيّة”.
كان مالك من الشخصيات الأساسية التي ساهمت في إيصال مؤسس “القوات” بشير الجميّل إلى الرئاسة في 23 آب من العام 1982. وكان إلى جانبه والحاضرين في قاعة الإجتماعات في المجلس الحربيّ، يتابعون عمليّة الإنتخاب تلفزيونيًّا. وكان أوّل المهنّئين
كان مالك “أينشتاين” في العمل لثقافة الحياة، بل فيلسوف القضية اللبنانية بإمتياز، ورغم رحيله في مثل هذا اليوم منذ 37 عامًا، لا يزال حيًا بفكره المُتّقد، تتناقله الأجيال العاشقة لقيم الحريّة وحقوق الإنسان