#adsense

النظام السوري وإهدار الفرص

حجم الخط

"وما زال تَشْرابي الخمورَ ولذّتي
وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
الى أن تحامتني العشيرةُ كلّها
وأفرِدْتُ إفرادَ البعيرِ المُعَبّد"
(معلقة طرفة بن العبد)

بصراحة أنا متعاطف مع طَرْفة بن العبد، فهذا الشاعر الجاهلي الذي قتل في مقتبل العمر، كان قد غرق مبكراً في ما كان يسمى ملذات الحياة من سكر وعربدة، فأدرك في معلقته الشهيرة أن عزل (إفراد) عشيرته له وتخليها عنه انما كان نتيجة لإفراطه في متاع الدنيا.

جميلٌ هو مبدأ "التوبة"، لأنه يقول للمفرطين في غيهم، إن الوقت لم يفت ليرتدعوا عن أذية الناس حتى إن هذا الباب بقي مفتوحاً في معظم الأديان لكل المجرمين مهما أسرفوا في الأذية. قد يكون هذا المبدأ مجحفاً في حق من قضَوْا حياتهم في التقى والتزام المعايير الأخلاقية في العلاقات بين البشر، فكيف يمكن أن تفسح التوبة المجال للغفران بحيث يتساوى بعدها الجميع، أو لربما أفرد في بعض الأحيان صدر المقام للتائبين، وفي الوقائع فقد أصبح بعضهم في مقام أعظم القديسين مثل بولس الرسول. في الحقيقة، لطالما حيرتني قصة "الابن الضال" أو "الولد الشاطر" في الانجيل، الى أن علمت أن معنى الشاطر هو ليس "الذكي" أو "الحربوق" بل يعني الابن الذي انفصل عن عشيرته. ولكنني مع ذلك لم أتقبل فكرة الاحتفال بعودة الابن الضال وتمييزه الواضح من اخوته الذين كانوا دوماً على الصراط المستقيم.

الحكمة من ذلك مبنية على أن التوبة قد تمكن من استنقاذ النفس الضالة من غرقها في المفاسد، والأهم هو كف يد الارهاب عن البشر إذا كان التائب مستغرقاً في أذية الناس. ولكن شرط التوبة الأساسي هو أن يكون مدفوعاً بحس واضح بالندم، لكن هذا الحس ولو صادقاً فلا يجب أن يكون سبيلاً للإفلات من العقاب إلا في الحالات التي لا تتضمن أذية الناس. فكيف لمن هو مستغرق في القتل والدمار؟

ولكن الواقع هو أن باب التوبة على المستوى المدني والسياسي مفتوح فقط لمن هم قادرون على الاستمرار في الأذية وما زالوا يتمتعون بقوة كافية تجعلهم أقوى من القانون، أما الباقون فيطبق عليهم ما حدث لمعمر القذافي.

لا يمكن الآن إحصاء الفرص التي أعطيت لبشار الأسد للتكفير عن الفظائع التي ارتكبها نظام أبيه في حق الشعب السوري والشعب اللبناني والشعب الفلسطيني. منذ اليوم الأول للاستعدادات لوراثته عرش أبيه، تجاوزت الناس في سوريا مبدأ التوريث وتعديل الدستور على قياسه، فجزء منهم كان يأمل استمرار الاستقرار الأمني لأنه يعلم أن طرح تداول السلطة حتى ضمن الحزب الواحد سيؤدي حتماً الى مجازر كبرى، والجزء الآخر كان يتوسم خيراً "بالرئيس الشاب" وبأنه لا بد متأثر بشيء من الحداثة مما سيدعوه حتماً الى تطوير النظام في سوريا ولو بشكل بطيء. كانت تلك فرصته الأولى للتكفير عن حكم والده الطويل والحافل بالقمع والارهاب والقتل الفردي والجماعي، استمر في رعاية الفساد المحمي بالسطوة الأمنية والمخابراتية، واستمر في تغطية حكمه الشمولي والقمعي بستار الشعارات القومية والعروبية والبدعة الجديدة الا وهي جبهة الممانعة التي تجمعه مع إيران، الأخ الأكبر البديل عن من سمّاهم يوماً "أشباه الرجال" من دول عربية كان لها الفضل الدائم في دعم حكمه وحكم أبيه، وفي معظم الأحيان عن طريق الابتزاز.

أما على مستوى العلاقات العربية والدولية، فقد أعطي الفرصة الأولى بعيد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من خلال استعداد السعودية لمساعدته لتجاوز القضية مقابل بعض التسويات، ولكنه أطاحها عندما توهم أنه يملك فائض قوة بعد حرب تموز 2006 مستغرقاً في معاداته للعرب من خلال خطابه الشهير عشية الحرب.

لقد أقسم بعض الزعماء العرب يومها بمقاطعته بشكل نهائي، كما أن المجتمع الدولي كان أصلاً في قطيعة معه الى أن أتت الفرصة الجديدة بعد تبدل القيادات في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، كان واضحاً رغبة القيادتين بتجربة مختلفة عن الرؤساء السابقين، فكانت مبادرة الرئيس الفرنسي نحو النظام السوري ومن بعدها تخفيف الضغوط الأميركية وتعيين السفير في دمشق، ومن ثم أتت المبادرة العربية للمصالحة التي فتحت الباب مجدداً لبشار الأسد للتعاون على أمل التخفيف من الاختراق الإيراني السياسي والأمني والعسكري من خلال التحالف المدعو بمعسكر الممانعة.

كان اتفاق س ـ س احدى النتائج المباشرة للفرص المتجددة لهذا النظام ولرئيسه الى أن أدرك الجميع لاحقاً أن الصفة الملازمة لبشار الأسد هي الكذب المتكرر لشراء الوقت ليس إلا. المؤسف والمريب في الوقت نفسه، هو استمرار العرب والعالم بالمراهنة على تغيير ما، على الرغم من أن التجارب المتكررة، ووقائع الأمور أكدت انعدام الأمل في فك تحالف النظام السوري مع مشروع ولاية الفقيه لأن بشار الأسد سيفقد بذلك ورقة لابتزاز العرب والعالم في حال فك هذا التحالف، إضافة الى أن منظومة ولاية الفقيه أرست أوضاعاً داخل سوريا تجعل من الصعوبة بمكان فك هذا التحالف.

مع انفجار الثورة السورية منذ نحو سنة، كان على العالم أن يدرك منذ البداية عقم المبادرات والحلول التي تفترض التسوية مع النظام السوري، فهذا النظام مرهون وجوده على استمراره كما كان منذ أكثر من 4 عقود، لذلك فإن كل الفرص التي أعطيها لم تكُ إلا مضيعة للوقت ومزيداً من إهدار دم المواطنين، وما يحدث اليوم من مجازر يومية بحق الشعب السوري ما هو إلا نتيجة حتمية للتردد في القرارات الدولية والعربية للحسم مع نظام الأسد.
لا عاقل اليوم يتصور بأن بشار الأسد سيصحو فجأة، بمعجزة ما، ليعتذر من الشعب السوري واللبناني والفلسطيني، ويعلن أنه سيترك الحكم لأنه بالاساس يعتبر سوريا ملكية خاصة وأن المواطنين ما هم إلا أدوات يستعملها كما يشاء. لذلك فإن الأمور مفتوحة على إما استمرار المجزرة في سوريا لأنه من الواضح أن الثائرين قطعوا إمكانية العودة الى الوراء، أو أن يكون هناك حدث أمني أو عسكري حاسم يؤدي الى تغيير المعادلة القائمة حالياً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل