مزايدات انتخابية… أم تعديلات دستورية؟
شبح الحرب الباردة يطرق أبواب النظام الدولي من جديد··· والمواجهات الساخنة تُشعل الحدود المستجدّة في منطقة القوقاز··· ورياح التطورات والمتغيرات تهب على منطقتنا حاملة معها مشاريع خرائط جديدة··· وضغوط مسلسل الأزمات الأمنية والمعيشية والخدماتية تُنكّد حياة اللبنانيين، وتُهدّد أمنهم واستقرارهم·
… وأهل السياسة في الوطن المعذّب لاهون في مناورات الربح والخسارة عشية الانتخابات النيابية المقبلة: يتراشقون بالاتهامات، ويتواعدون بالتهديدات، ويتفاخرون باختلاق الخلافات!·
وعوض أن تكون <حكومة الوحدة الوطنية> اسماً على مُسمّى، تعمل على توحيد الصفوف، وتجهد في بلسمة الجراح، وتسعى إلى استعادة هيبة الدولة والقانون، لتُشكّل في كل ذلك منطلقاً قوياً لمسيرة العهد الجديد، تحوّلت <وزارة الوحدة> إلى <حكومة الشقاق الوطني> تحت وطأة الحملات المفتعلة التي سارع ممثلو المعارضة في الحكومة نفسها، إلى إطلاقها سواء في مرحلة إعداد البيان الوزاري الفصيح، أم بُعيد التصويت على الثقة المنقوصة!·
ورغم حالة القلق والإرباك المهيمنة على العباد والبلاد بمواجهة الاستحقاقات المحلية والخارجية الداهمة، <فالقضية> يمكن اختصارها بالنسبة للتيار العوني في صلاحيات نائب رئيس الحكومة، و <المسألة> الوطنية الكبرى يمكن معالجتها بإيجاد مكتب للواء عصام أبو جمرا في السراي الكبير، وبجوار مكتب رئيس مجلس الوزراء!!·
* * *
لقد قَرِف اللبنانيون من السجالات العقيمة التي يحاول أصحابها زرع الشقاق بين أبناء الوطن الواحد، والترويج لشتى أنواع الفتن الطائفية والمذهبية، وحتى المناطقية، لغايات في نفس يعقوب الانتخابي، سعياً وراء مقعد هنا ونصف كرسي هناك، ولو على حساب أجواء الإلفة والوئام بين ناخبي الدائرة الواحدة، ولو اقتضى ذلك التلاعب على حبال المواقف السياسية والوطنية·
لم يجف حبر اتفاق الدوحة بعد الذي تعهّد فيه الجميع، في الموالاة والمعارضة، على طي صفحة الخلافات والنعرات التي أوصلت البلد وأهله إلى حافة الحرب الأهلية، والالتزام بالعمل معاً في إطار <حكومة الوحدة الوطنية> لتجاوز هذه المرحلة الصعبة، والإعداد للانتخابات المقبلة، التي من المفترض أن تحسم اتجاه الصراع السياسي المدمر الذي ساد طوال السنتين الماضيتين·
ولم يكتف بعض أطراف في المعارضة بِنَكْء جراح الفتنة بين باب التبانة وجبل محسن في طرابلس وحسب، بل راحوا يفتعلون الخلافات السياسية بهدف تأجيج المشاعر الطائفية واستغلالها في الجولة الانتخابية!·
وتمثل الحملة المفتعلة حول مكتب نائب رئيس الحكومة مثلاً صارخاً عن مدى استعداد البعض للذهاب بعيداً على حساب أجواء الوفاق، سعياً لمكاسب آنية لا تسمن في السياسة، ولا تغني عن جوع في الانتخابات المقبلة·
وكم كانت صدمة الغالبية الساحقة من اللبنانيين كبيرة عندما سمعوا بتصريحات أبو جمرا <التهديدية>، واستعداده لنصب خيمة في باحة السراي، مذكراً اللبنانيين بتلك الأيام السوداء التي عطّلت فيها خيم الاعتصام في وسط بيروت شرايين الحياة والاقتصاد في قلب الوطن·
ويبدو أن أبو جمرا لم يلاحظ الفارق بين حركة الحياة والنمو التي يشهدها البلد حالياً وبين حالة الموت والجمود التي هددت اللبنانيين بلقمة عيشهم وبمستقبل أجيالهم·
* * *
إن الحديث الجدي عن صلاحيات معيّنة لنائب رئيس الحكومة يجب أن يتم في إطاره الدستوري الصحيح، وبعيداً عن الحملات الدعائية الانتخابية· وإذا كان التيار العوني جاداً في طرحه هذه المسألة الدستورية بامتياز، فليس أمامه إلا تكليف نوابه بإعداد اقتراح واضح بطلب تعديل الدستور الحالي، وذلك لسبب بسيط وحاسم وهو عدم وجود أي نص دستوري حالياً له علاقة بمنصب نائب رئيس الحكومة أو بصلاحياته، أو حتى بمقره!!·
وتقديم طلب نيابي، وحسب الأصول، لتعديل الدستور، من شأنه أن يفتح <شهية جميع المطالبين بإدخال بعض التعديلات الدستورية، وكل حسب ما يراه مناسباً لحساباته السياسية أو الطائفية أو المناطقية·
وعلى سبيل المثال لا الحصر، ثمة من يطالب بتعديلات دستورية من نوع:
استحداث منصب <نائب رئيس الجمهورية> ومنحه الصلاحيات التي قد تصل إلى حد القيام بمهام الرئيس عند غيابه
· توسيع صلاحيات نائب رئيس مجلس النواب ليتمكن من ترؤس الجلسات النيابية وإدارتها عند غياب رئيس المجلس، إلى إنشاء إدارة متكاملة تعاونه في القيام بمسؤولياته·
إعادة النظر بمدة ولاية رئيس الجمهورية واختصارها إلى أربع سنوات، مع إمكانية إعادة انتخابه لولاية ثانية، وفق المشروع الذي طُرح في عهد العماد إميل لحود·
إعادة النظر بمدة ولاية رئيس مجلس النواب واختصارها إلى سنتين، مع الاحتفاظ بحقه بالترشح في الدورات الأخرى·
إلغاء فترة الأربعين يوماً لتوقيع رئيس الجمهورية على المراسيم والقوانين، تحت طائلة اعتبارها نافذة كما ينص الدستور الحالي·
إلى ما هنالك من تعديلات متداولة هنا وهناك، بما في ذلك إمكانية تحديد فترة زمنية للرئيس المكلف لتشكيل حكومته··· إلخ إلخ!·
فهل التوقيت الحالي مناسب لفتح أبواب التعديلات الدستورية؟!·
* * *
من حق الطائفة الأرثوذكسية الكريمة، وهي ثاني أكبر طائفة مسيحية في البلد، أن تحصل على حقها في المشاركة الدستورية والسياسية لصناعة القرار الوطني·
ولكن معالجة مثل هذه المسائل الميثاقية الدقيقة لا تتم عبر المزايدات الانتخابية، ولا بالتصريحات العنترية والتهديدية التي تذكّرنا بمرحلة مؤلمة، من مصلحة الجميع العمل على وضعها خلف ظهورنا، والانصراف إلى ما ينفع الناس ويُعزّز البيئة الوطنية·
إن الطرح الحالي لمسألة صلاحيات نائب رئيس الحكومة يحمل في طياته حملات افتراء وتجنٍ على رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، في إطار سعي بعض أطراف المعارضة للثأر من مواقف رئيس الحكومة الصلبة في التصدي لمرحلة حصار السراي·
فضلاً عن أن التهديد بنصب الخيم في ساحة السراي يُشكّل افتئاتاً على مقام الرئاسة الثالثة وما تمثله في التوازنات الوطنية الدقيقة، وبالتالي فإن الاستمرار بهذا الأسلوب الاستفزازي الخطير في طرح مسألة ميثاقية مهمة من شأنه أن يُعيد شحن الأجواء الطائفية والمذهبية من جديد، ويُطلق العنان لموجات من العصبيات المتصارعة، التي قد نعرف كيف تبدأ···
ولكننا قد لا ندرك إلى أين يمكن أن تصل·
حذار اللعب على الوتر الطائفي···
نار الفتنة تحت الرماد··· وألف لعنة على من يحاول أن يُحرّكها!·