

بعد أكثر من نصف قرن من إمساكه بالسلطة، خسر حزب البعث ومعه بيت الأسد الحكم في سوريا في 8 كانون الأول 2024، إثر عملية عسكرية واسعة ومباغتة بدأتها فصائل المعارضة في 27 تشرين الثاني 2024 من معاقلها في إدلب، وتمكنت من السيطرة على العاصمة دمشق بعد 11 يومًا، والإطاحة بحكم بشار الأسد الذي استمر 14 عامًا من حرب أهلية حصدت أرواح مئات الآلاف ونزوح نصف السكان.
حزب البعث – نصف قرن من الإنقلابات والقمع
ـ تأسس حزب البعث في 17 نيسان 1947 على يد سوريَيْن تلقيا تعليمهما في العاصمة الفرنسية باريس، وهما ميشيل عفلق المسيحي الأرثوذكسي، وصلاح البيطار المسلم السنّي.
-عام 1953 اندمج حزب البعث مع الحزب العربي الاشتراكي، ما أكسبه شعبية بين المثقفين والفلاحين والأقليات الدينية. وامتدت شعبيته الى دول عربية عدة أبرزها العراق.
– 8 آذار 1963، وصل البعث إلى الحكم في سوريا إثر انقلاب عسكري وفرض حالة طوارئ.
– 16 تشرين الثاني 1970، نفّذ حافظ الأسد، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع، انقلابًا عسكريًا عُرف بـ”الحركة التصحيحية” أطاح بنور الدين الأتاسي، رئيس الجمهورية حينها، ووضع حدًا لسلسلة من التجاذبات الداخلية في الحزب وعلى السلطة.
– 12 آذار 1971 انتُخب حافظ الأسد رئيسًا للجمهورية السورية بعد إجراء استفتاء شعبي، ومن دون أي منافس، ليصبح أول رئيس ينتمي الى الأقلية العلوية التي تشكل عشرة في المئة من تعداد السكان
– 6 تشرين الأول 1973 شنّت مصر وسوريا هجوما مفاجئا على إسرائيل في محاولة لاستعادة ما خسره البَلَدان خلال حرب حزيران 1967. وتمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس، بينما استعادت القوات السورية بعضًا من المناطق في هضبة الجولان.
– أيار 1974 وقّعت سوريا وإسرائيل رسميًا اتفاقية “فض الإشتباك” في مرتفعات الجولان.
– عام 1979 تدهورت العلاقات بين سوريا والعراق، اللذين حكمهما فرعان متنافسان من حزب البعث، بعد اتهام الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، الوافد حديثا إلى السلطة، دمشق بالتآمر. قطعت بغداد علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق في تشرين الأول 1980، بعدما دعم حافظ الأسد إيران في الحرب مع العراق.
– شباط 1982، تصدّى النظام السوري لانتفاضة مسلّحة قادها تنظيم “الإخوان المسلمون” في مدينة حماة (وسط). وأدى القمع الدامي الى مقتل الآلاف، وراوح عددهم بين 10 آلاف و40 ألف شخص. وأتى ذلك بعد قرابة ثلاثة أعوام من هجوم بالرصاص والقنابل اليدوية على الكلية الحربية في مدينة حلب، أدى إلى مقتل ثمانين جنديًا من العلويين. واتهم “الإخوان المسلمون” في حينه بالوقوف خلف الهجوم.
– تشرين الثاني 1983 تعرّض حافظ الأسد لأزمة قلبية نُقل على إثرها إلى مستشفى في دمشق. وبينما كان يقبع في غيبوبة، حاول شقيقه الأصغر رفعت الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب فاشل. استعاد حافظ عافيته وأعاد الإمساك بزمام سلطته. وبعد عام أُجبر رفعت على مغادرة الأراضي السورية.
– 10 حزيران 2000 توفي حافظ الأسد عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد عقود حكم خلالها سوريا بقبضة من حديد، وأرسى بالقوة استقرارًا أكسب بلاده دورًا وازناً في إقليم دائم الاضطراب.
بعد شهر من رحيل “الأسد الأب”، تولّى نجله بشار السلطة، بعد تعديل دستوري سمح له بالترشّح من خلال خفض السن القانونية لتولّي الرئاسة، وحاز، في اقتراع لم يضم أي مرشح آخر سواه، على 97 في المئة من الأصوات. وأصبح بشار الأسد القائد الأعلى للقوات المسلّحة والأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في البلاد.
تطوّر الأحداث منذ تولّي بشار الأسد السلطة حتى سقوطه المدوّي:
• عام 2011، شهدت سوريا ثورة شعبية طالبت بالحرية في البلاد، في إطار ما سُمّي حينها “الربيع العربي”، وقام نظام الأسد بقمع التظاهرات مستخدمًا الأسلحة الثقيلة، ولا سيما المروحيات والطائرات. وفي نيسان اتسعت رقعة القمع والاحتجاجات، وسرعان ما تحوّلت إلى ثورة مسلّحة حظيت بدعم دول غربية وعربية وكذلك بدعم تركيا.
• عام 2012، وقع تفجير في دمشق هو الأول من نوعه نفذته “جبهة النصرة”، فرع تنظيم “القاعدة” الجديد في سوريا، والتي اكتسبت قوة وبدأت في سحق الجماعات ذات التوجّهات القومية. اجتمعت القوى الدولية في جنيف واتفقت على الحاجة إلى انتقال سياسي، لكنها انقسمت حول كيفية تحقيق ذلك. واتّهم الغرب مرارًا النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية، وهو ما نفته دمشق على الدوام.
• عام 2013، ساعد “الحزب” الأسد على تحقيق النصر في القُصَير ليوقف زخم المعارضة ويظهر الدور المتزايد للجماعة المدعومة من إيران في الصراع. واعتبرت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما حينها، أن استخدام الأسلحة الكيميائية “خط أحمر”، لكن هجومًا بغاز السارين على الغوطة الشرقية التي سيطرت عليها المعارضة قرب دمشق أودى بحياة عشرات المدنيين، من دون أن يعقب ذلك أي رد من الجانب الأميركي.
• عام 2014، سيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” على الرقة في الشمال الشرقي وعلى مساحات في سوريا والعراق. في المقابل، استسلم مقاتلو المعارضة في حمص القديمة ووافقوا على المغادرة إلى منطقة أخرى، في أول هزيمة كبيرة لهم في منطقة حضرية كبرى، وهو ما مهد لاتفاقات إخلاء بعد ذلك. وشكلت واشنطن تحالفاً مع الأكراد ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وبدأت في تنفيذ ضربات جوية، مما ساعد القوات الكردية على وقف مدّ المتشددين، لكنه تسبب في توترات مع حليفتها تركيا.
• عام 2015، تمكّنت الجماعات المعارضة، بعد الحصول على الأسلحة من الخارج، من كسب المزيد من الأراضي والسيطرة على شمال غرب إدلب. ولاحقاً انضمت روسيا إلى الحرب لدعم بشار الأسد، في تطوّر نوعي حوّل دفة الصراع لصالح الرئيس السوري لسنوات لاحقة.
• عام 2016، تركيا القلقة من تقدم الأكراد على الحدود، شنّت عملية توغل مع جماعات المعارضة المتحالفة معها، ما أدى إلى إقامة منطقة جديدة تحت السيطرة التركية. وتمكن الجيش النظامي وحلفاؤه من هزيمة المعارضة في حلب، وهو ما اعتُبر آنذاك أكبر انتصار للأسد في الحرب. انفصلت “جبهة النصرة” عن تنظيم القاعدة وبدأت محاولة تقديم نفسها في صورة معتدلة، فأطلقت على نفسها سلسلة من الأسماء الجديدة قبل أن تستقر في النهاية على “هيئة تحرير الشام”.
• عام 2017 – شنّت إسرائيل ضربات جوية ضد “الحزب” في سوريا بهدف إضعاف القوة المتنامية لإيران وحلفائها. وتمكّنت قوات مدعومة من الولايات المتحدة بقيادة الأكراد من هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” في الرقة. وانتهى هذا الهجوم إضافة الى آخر شنّه الجيش السوري بطرد الجماعة المتشددة من كل الأراضي تقريبًا التي استولت عليها.
• عام 2018، استعاد الجيش السوري الغوطة الشرقية قبل أن يستعيد سريعًا جيوبًا أخرى للمعارضة في وسط سوريا ثم درعا معقلها الجنوبي.
• عام 2019 – فقد تنظيم “الدولة الإسلامية” آخر معاقله في سوريا. وقررت الولايات المتحدة إبقاء بعض قواتها في البلاد لمنع الهجمات على حلفائها الأكراد.
• عام 2020، ساندت روسيا هجوما للقوات النظامية انتهى بوقف إطلاق النار مع تركيا، ليتجمّد القتال عند معظم خطوط المواجهة. وسيطر الأسد على معظم الأراضي وجميع المدن الرئيسية، ليبدو أنه قد رسخ حكمه. وسيطر المعارضون على الشمال الغربي، فيما سيطرت قوة مدعومة من تركيا على شريط حدودي. وسيطرت القوات التي يقودها الأكراد على الشمال الشرقي.
• عام 2023، وقع هجوم حركة ح. غير المسبوق على إسرائيل في السابع من تشرين الأول، ليندلع قتال بين إسرائيل و”الحزب” أدى في نهاية المطاف إلى تقليص وجود الجماعة في سوريا وتقويض سيطرة الأسد على نحو مهلك.
• صباح 28 تشرين الثاني 2024، شنّت فصائل المعارضة هجومًا جديدًا على حلب. وفي ظل انشغال حلفاء الأسد: إيران في مواجهتها مع إسرائيل، وروسيا بحربها في أوكرانيا، انهار الجيش سريعًا. وبعد ثمانية أيام من سقوط حلب استولى المعارضون على معظم المدن الكبرى ودخلوا دمشق، ليسقط حكم الأسد.
ومع انهيار نظام البعث ونهاية عهد عائلة الأسد في سوريا، أُسقطت تماثيل حافظ الأسد، والد بشار، في مختلف المدن السورية، وتوالى فتح السجون وفضح أسرار النظام وجرائمه خلال حقبة سوداء من تاريخ المنطقة امتدت الى أكثر من نصف قرن.
كتبت لوسيا الخوري في “المسيرة” ـ العدد 1760
وفي اليوم الحادي عشر سقط نظام الأسد
حزب البعث: هكذا بدأ وهكذا انتهى!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]