عام ٢٠٠٥ قتل النظام السوري وأعوانه في لبنان رفيق الحريري في محاولة يائسة لوقف حركة التاريخ، بعدما تبين لهم ان البلاد سائرة لا محالة نحو الانعتاق من الوصاية الاحتلالية التي كانت جاثمة فوق صدور اللبنانيين. منطق التاريخ كان يفيد ان النظام في سوريا صار حقيقة من الماضي، فضلا عن ان مزاج اللبنانيين في تلك المرحلة كان قد بلغ الذروة في سلبيته حيال النظام، وبالتحديد بعد قرار التمديد لأميل لحود بالقوة والإكراه. كان رفيق الحريري يعد العدة بتنسيق فعلي مع البطريرك صفير والنائب وليد جنبلاط لخوض انتخابات نيابية تخرج بنهايتها أكثرية نيابية استقلالية تكون قادرة على مخاطبة النظام في سوريا بندية كافية، للقول إن مرحلة الوصاية ينبغي ان تنتهي. جاء قرار اغتيال الحريري رداً استباقياً، واتخذ بناء على وهم أن اللبنانيين، او قسماً منهم سيبكي الحريري أسبوعا من الوقت، ثم تعود الحياة الى طبيعتها. بالطبع حصل العكس تماماً، فانفجر الاحتقان في وجه نظام الاسد، ولم يمض شهران إلا خرجت القوات النظامية السورية بالطريقة التي نعرفها.
لقد أخرجت دماء رفيق الحريري معطوفة على غضب اللبنانيين بشار من لبنان، وكان ربيع بيروت مؤذنا بربيع عربي آتٍ تحدث عنه سمير قصير بوضوح.
كان رفيق الحريري يمثل كل ما لا يمثله النظام في سوريا : التحرر والانفتاح والاعتدال والسلام والتقدم والعصرنة والعروبة الحديثة والعلم والحوار والانسانية، ومن هنا ما كان لبشار الاسد ان يتعايش مع نقيضه في لبنان وحتى في سوريا نفسها. كل من عرف رفيق الحريري عن قرب كان على علم بحجم شعبيته في سوريا نفسها.
ونتذكر جيدا مجالس العزاء السرية التي أقيمت عن روحه في العديد من المدن والقرى السورية. ومن هنا تقدير كثيرين ان بشار الاسد وبطانته قرروا قتل مشروع عربي عصري إسلامي معتدل منفتح عبر قتل رفيق الحريري. بالطبع ما كان الامر ليتحقق لولا الأعوان في لبنان، والمحكمة الخاصة بلبنان ستحسم في الموضوع.
بعد غزوات ٧ ايار ٢٠٠٨ و8 منه، واتفاق الدوحة، وعودة النظام في سوريا الى المحافل الدولية، توهم النظام ان قضية اغتيال الحريري سوف تذهب ضحية المساومات السياسية الدولية، فتبين ان المحكمة مضت في طريقها وصولا الى اصدار قرار اتهامي والاعلان عن قرب مباشرة المحاكمات الغيابية. وها ان القدر المحتوم يلاحق بشار الاسد فيخرج ملايين السوريين ليحاسبوه على الظلم الذي لحق بهم جراء اربعة عقود من القهر والإذلال.
إن العدالة تلاحق بشار الاسد وبطانته وشركاءه من طريق المحكمة، والأهم من ذلك من طريق الشعب الذي اصدر حكمه المبرم. هذه هي العدالة الالهية!