لم تكن شعلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري عند تلك الجادة البحرية، التي أرادها درة لبنان وزينة للمتوسط، في حاجة الى إضاءة في الذكرى السابعة لاستشهاده، اولاً لأنها في رمزيتها وبعدها السياسي والانساني لن تنطفئ، وثانياً لأن نورها فاض ويفيض الآن في أماكن كثيرة من هذه المنطقة ربيعاً عربياً، ليس هو في العمق إلا قطاف ذلك الزرع المبارك الذي بذرته دماء الشهادة وشهداء لبنان في الوجدان الوطني وفي توق الشعوب الى الحرية والديموقراطية والكرامة والاحترام.
سبعة اعوام على الشهادة التي تحولت بركاناً اطلق المعنى العميق لروح 14 آذار، وقد هبّت رياحه في دول المنطقة لتصل الى سوريا، التي كانت قد حبست هذا الروح وحاولت خنقه لمدة طويلة عبر مسلسل التشويه والاغتيال السياسي المتدرج الذي نفذته ضد رفيق الحريري وثلة من الشهداء الذين تساقطوا قبله ومن بعده .
مرة جديدة سابعة تتقاطر الحشود حاملة المناديل ومفعمة بالحسرة الى ذلك الضريح الساهر على "ساحة الحرية"، او بالأحرى الى ذلك الهرم الذي يرفع بيارق الحرية والسيادة والديموقراطية والاستقلال. أوليست هذه هي الخصائص التي اراد رفيق الحريري ان تشكل قاعدة لبنان الصلبة والصخرة التي يقوم عليها وطناً نموذجاً وقدوة في المنطقة والعالم ؟
المعنى الاعمق للذكرى السابعة كان امس صاخباً ومدوياً في اذهان كل اللبنانيين وقد صرخوا في سرهم ومخيّلاتهم :
قم لترى زرعك، فهذا وقت الحصاد وزمن الزهر العربي يسقط تاريخاً من عفن الطغيان والتسلط والديكتاتورية . قم انت ورفاقك الشهداء لمعاينة الربيع في ارجاء المنطقة وهو ينمو من بذار القمح، قمح دمكم المنثور احلاماً في عقول الناس ونبضاً في قلوبهم من اجل فجر الحرية وشمس الكرامة ونور الاستقلال.
قم لترى ان دمك انت ورفاقك الشهداء لم يحرر لبنان وحده، بل اطلق في 14 آذار من غابة البيارق في "ساحة الحرية" نفير الثورات ورياح التغيير. قم لترى انك اعطيت لبنان في مماتك اكثر مما اعطيته في حياتك. قم لترى ان سلسلة انتصاراتك لن تتوقف او تنقطع.
قم لتسمع ما يقول ولي الدم حامل الامانة ولدك سعد، الذي، للمرة السابعة، يقف عند فوهة جرحه الذي لن يندمل، ليتحدث عن "الوطن المميز والدولة العصرية المتقدمة"، ذلك الحلم الذي زرعته في وجدانه كما في وجدان كثيرين من اللبنانيين . قم لتستمع اليه يتحدث بمنطق رجل الدولة الحكيم متحملاً المسؤولية عن الماضي القريب بايجابياته وسلبياته، وليبشر بهدوء الرجل الحليم بحتمية الوحدة الوطنية كخلاص وحيد للبنانيين، بعدما كان قد خاطبك بلوعة جرح ينزف في الابن اليتيم .