#dfp #adsense

حقيقة الصلاحيّات والتّأليف (الدكتور جورج شبلي)

حجم الخط

قيلَ إنّ لبنان ينعمُ بالنّظامِ الديمقراطي، مستنِدًا الى دستورٍ صيغَ في الطّائف، لكنّ الكثيرين يعتبرون أنّ الديمقراطية، في بلادنا، نظريّة، بحيث أنّنا نحافظُ عليها ونمارسُ نقيضَها كبِدعة الديمقراطية التوافقية، وأنّ الدستورَ هو استنسابيُّ الهَوى، بحيثُ نوافقُ على موادِه إذا ناسبَت أهدافَنا، ونتّهمُه بأنّه غير ميثاقيّ، إذا تناقضَ ومصلحتَنا الخاصة…

سأعالجُ في هذا النصّ مقامَ رئاسةِ الجمهوريّة، بحيثيّته التّمثيليّة المنطقيّة، ومقامَ رئاسة الحكومة، بحيثيّته الدستوريّة من حيثُ صلاحيّات التّأليفِ والاختيار.

لمّا كانت الديمقراطية تفترضُ آليةً موجِبة هي الانتخابات، بمعنى أنّ القاعدة الشعبية العريضة تمنحُ ثقتَها، بالاقتراع، لِمَنْ يمثّلونها في السلطة، فإنّ هؤلاءِ يحملونَ تفويضًا من هذه القاعدة، أي الشّعب، لسَنِّ القوانين، ولانتخابِ رئيسٍ للبلاد، كلَّ سِتٍّ من السّنوات. ولمّا كان الرئيسُ المُنتَخَب هو الذي يحوزُ على الأغلبية النيابية، فهذا يعني أنّه يكون، بذلك، قد أُعطِيَ التّوكيل الذي منحَه الشّعبُ لنوّابه. فبعيدًا عن أيّ فِقهٍ قانوني، وعن أيّ تفسيرٍ تشريعيّ، واستنادًا الى القاعدة الثلاثية الرياضية، يكون رئيسُ الجمهوريّة، حُكمًا، ممثِّلًا للشّعب بكليّتِه، أي أنّه الرئيسُ الفِعليّ والشّرعي لأكبرِ كتلةٍ نيابيّة، على أساس أنّ المجلس النيابيّ هو الذي انتخبَه. من هنا، يحقُّ لرئيس الجمهوريّة، إذن، أن تكون له الكلمة الوازنة في الحُكم، والسّلطة، والدّولة، ولا سيّما في الحكومة، وخصوصًا في ما يتعلَّق بالقراراتِ المصيرية التي تَحكمُ مَسار الوطن، وأمنه، ومستقبل شعبِه.

ولمّا كان رئيسُ الجمهورية، بما يمثّل، وبموجبِ منصبه، حارسًا للدستور، وحاميًا لسيادة الكيان، وأمينًا لوحدة الأرض والشّعب، وراعيًا لسلامة الدولة وأمن المواطنين، يستطيعُ، إذن، أن يمارسَ صلاحيّاتِه بمعزلٍ عمّا عرفَت هذه الصلاحيّاتُ من مَدٍّ وجَزر، خاصةً في ظروفٍ حرجةٍ استثنائيّة كالتي يعيشها الوطنُ اليوم. فالواقعُ اليوميّ يُثبتُ، بما لا شكّ فيه، استمرارَ نزواتِ الموتورين الذين يُمعِنون في تشويه صورة الوطن، ورَدمِ مشروع الدولة، بلا شرعيّةِ سلاحهم، واستقوائهم، لإنّهم ليسوا، في الحقيقة، سوى نكبةِ الوطن، والوباءِ الجاثمِ على نَفَسِهِ.

إنّ منصبَ الرئيس يعني دَمجَ كلمة مسؤوليّة في معجمِ الجمهورية، لأنّ غيابَ هذه المُفرَدة، يؤدّي الى غياب الجديّةِ، ويعني، بالتالي، رَجَحانَ التّقصير. ولمّا كان الرئيس، بحُكمِ المسؤولية، مسؤولًا عن الأمان في الوطن، لذلك، فإنّ أيَّ موقفٍ مُواجِهٍ حيالَ أيِّ تعرّضٍ لأمان النّاس، كالجرائمِ، مثلًا، والتي يذهبُ ضحيّتَها أناسٌ أبرياء، كجريمة الضبيّه، أو قرنة شهوان، هو أمرٌ مُلزِمٌ، فوحدَه رئيسُ الجمهوريّة، من بين الحاكمين، يتمتَّعُ بردّةِ فِعلٍ سلطويّة، تسترجعُ الأمنَ المنهوب، وكرامةَ الحكم، وتُعيدُ الأهميةَ للمُعطى القانونيّ للدولة. إنّ الشَّعبَ يعرفُ أنّ الرئيسَ لا يقفُ أمامَ الشرّ، مكتوفَ اليَدَين، فشأنُهُ شأنُ الرِّجالِ الأبطال، ذوي الجرأةِ والمواجهة، الذين يُعتَدُّ بهم في المواقفِ الملتهبة. إنّ موقفًا كهذا، من شأنه أن يُحدِثَ صدمةً نوعيّةً لها صدًى، وهي صدمةٌ تمتِّنُ انطلاقةَ العهد، وتلَقِّنُ الذين تمادَوا في نَحرِ كرامةِ البلاد، اعتداءً على سيادتِها، وقوانينِها، وقضائها، ومؤسّساتِها، بأنّ زمنَهم العَفِنَ لن يُبعَثَ حيًّا.

أمّا الرئيسُ المُكَلَّف، والذي ابتهجَ اللبنانيّون بأنّه نسيجُ وَحدِهِ قدرةً على التّأليف، بعيدًا عن أيّ وصاية، أو فَرض، وأنّه صُنِعَ في لبنان، ومن شَوقِ الناسِ الى الدولة، فلم يَرشح عن تحرّكاته، حتى السّاعة، سوى الاستمرارِ في المفاوضات، والتسويات، والمساومات، وشبهِ قَبولٍ بالتّهويل، وهو العارِفُ بأنّ الثَّباتَ في المواقف يعني الاستقامةَ على الحقّ، وهذا واجبُ الحُرّ، أمّا الرّضوخُ للابتزازِ والتّهديد، فيعني الانهزامَ، والتقهقر، والتنصّل، والإخفاق… وهذا ليس، أبدًا، من شِيَمِه.

إنّ المطلوبَ من الرئيس المُكلَّف هو أن يبقى مُتماسكًا في موقفه، صَلبًا في قناعاته، مُسقِطًا الخوفَ والطّاعةَ من سلوكِه، وذا نَبضٍ مُواجِه، يُعيدُ عقربَ البوصلةِ الى اتّجاهِ الحقّ، والدّستور، ويقلبُ الموازينَ المُشوَّهةَ التي أنتجَت، من قَبل، تشكيلاتٍ وزاريةً قبيحة. إنّ المطلوبَ من الرئيس المكلَّف ليس، أبدًا، تجميلَ القُبح، لأنّ ذلك يعني إعادةَ إحياءِ الذين استباحوا البلاد، وتركوها في عهدةِ لُصوص، وضربوا مفهومَ الكيانِ ومشروعَ الدولة بديماغوجيّةٍ سافرة، وخدموا مصالحهم على حسابِ مصالح الشّعب والوطن على السّواء.

إنّ الشّعبَ، اليوم، وبأكثريّتِه السّاحقة، يرفضُ تسطيحَ الدولة، وتَمييعَ القوانين، ويكرهُ المُسكِّنات التي تُحبِطُ أحلامَه، فقد نفرَ من الشّعارات، والنظريّات، والتّرويجات، وأُصيبَ بقَرَفٍ وخيبة وإحباطٍ من بشاعةِ الحُكّام، وادّعاءات المتزعِّمين، وبِدَعِ الخطباءِ الموتورين… لذلك، لم يبقَ على دولةِ الرئيس المكلَّف، إلّا أن ينتفضَ، ويستنهضَ بأسَه، وينسجمَ مع صَلاحِه، فالوطنُ حمَّلَه رسالةَ نَقلِه الى مشروعِ الدولةِ القادرة المأمولة، فما عليهِ سوى إتمامِها، وإنّه لَقادِر…

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل