"العناد والتشبث بالرأي" يكاد يكون الوصف الاقرب للحالة التي وصلتها الازمة الحكومية المستمرة، والتي
دخلت مرحلة جديدة بين طرفي النزاع، أي "التيار الوطني الحر" من جهة والرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي من جهة أخرى.
"ثبات" كل منهما على موقفه السياسي و"الشخصي"، تحوّل الى تلويح كل منهما بوسائل ضغط أخرى تزيد الازمة تعقيدا، في ظل التأكيد اليومي لوزير العمل شربل نحاس "انه لم يوقّع مرسوم بدل النقل لأنه غير قانوني بشكل صريح وغير عادل"، معلنا "أنه لن يوقّعه ولن يستقيل "واللي عاجبو عاجبو، واللي مش عاجبو يتصرف"، وتأكيد ميقاتي ان توقيع المرسوم هو مدخل لحل الازمة.
أما أدوات الضغط من قبل التيار فهي إعداده مشروعاً لوضع نظام داخلي لمجلس الوزراء، في حين أن "ضغوط" رئيس الحكومة تتمحور حول عدم استبعاد إمكان طرح الثقة بالوزير في المجلس النيابي"، لأنه "لا يجوز لأي وزير مهما كان ثقل التيار السياسي الذي يمثله أن "يهز هيبة مؤسسة مجلس الوزراء" كما تقول مصادر معنية بالملف لـ"المستقبل".
وعلى الرغم من أن المعركة تحولت الى معركة "إثبات وجود"، لكن اشتداد الازمة لم يحل دون البحث في الخيارات المطروحة لعلاجها، والتي كانت مادة البحث الاولى في اللقاء الذي جمع ميقاتي مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري أمس، حيث جرى النقاش بحسب مصادر ميقاتي، حول" التحضير للجلسة التشريعية المقبلة والازمة الحكومية،لافتة الى "ان الاتصالات في هذا الموضوع لم تتقدم لأن خيار الرئيس ميقاتي واضح، وهو إيجاد حل متكامل لكل العقبات التي تواجه عمل الحكومة، والتي تبدأ بالاتفاق على آلية واضحة تحكم الاداء الحكومي، ومقاربة ملف التعيينات وفق الآلية المتفق عليها، وضرورة التزام الوزير أياً يكن ثقل التيار السياسي الذي يمثله، بمقررات مجلس الوزراء".
لا تنفي الاوساط "أن هناك طروحاً يجري البحث بها لحل أزمة مرسوم النقل من خلال قانون يقدمه عشرة نواب لتنظيم التقديمات للعمال، فالأمر ليس سراً وهو اقتراح مقدم من كتلة نواب المستقبل، إلا أن الاتفاق عليه قد يكون مدخلا لحل الازمة، أما الاساس فهو الاتفاق على سلة متكاملة لكيفية معالجة كافة الملفات العالقة".
في الاطار نفسه، يقول القيادي الشمالي خلدون الشريف لـ"المستقبل": "مناورات التيار الوطني الحر لن تجدي نفعا، فالمعضلة الاساسية هي أنه لا يجوز لوزير ان يعطل عمل مجلس الوزراء، لأن إصدار المرسوم هو من مسؤولية مجلس الوزراء مجتمعا، أما الخيار الاقرب لرئيس الحكومة لمعالجة الازمة الحاصلة فهو توقيع مرسوم النقل، وهو لا يشعر أنه واقع تحت ضغط الوقت وضرورة تسوية الامور كيفما اتفق، بل يريد حل الامور لمرة واحدة وأخيرة، ووفق ما تقتضيه أصول العمل المؤسساتي ومصلحة المواطن، بعيداً عن روح التحدي والرغبة في الكسر التي يلوّح بها الاخرون، وبالتالي خيارات المعالجة امام الرئيس ميقاتي كلها مفتوحة سواء اكانت هذه الخيارات صعبة ام سهلة، اما تلويح التيار الوطني بمشروع النظام الداخلي لمجلس الوزراء فهو نوع من الهروب الى الامام، والبلد لا يحمل هذه اللتلتة".
في قصر بعبدا الاتصالات ناشطة لبلورة الخيارات المطروحة، بالتعاون مع رئيس المجلس النيابي الذي يلعب دور "جهاز جس النبض"، بين الاطراف المعنية لتدوير زوايا الازمة الحكومية، على حد تعبير أوساط بعبدا، وإن كان الى الآن لم يتم التوصل الى ملامح صيغة محددة، تقول الأوساط "سبق لرئيس الجمهورية أن أكد حرصه على عدم الدخول في تفاصيل عمل السلطة التنفيذية ودور الرئاسة الثالثة، لكنه يقارب الموضوع مع الرئاستين من باب رعايته لكافة المؤسسات الدستورية، وبالتالي فالبحث في الخيارات المقترحة يرتكز على هذا الاساس، أي عدم المسّ بهيبة مؤسسات الدولة ومنها مؤسسة مجلس الوزراء، وقد قال هذا الامر صراحة لوزير العمل شربل نحاس خلال لقائه به الاسبوع الماضي، مشددا عليه ضرورة التقيد بمبدأ التضامن الوزاري ومقررات السلطة الاجرائية. فعلى الرغم من أهمية التقيد بالقانون الا ان الاهم هو عدم القفز فوق إتفاق كافة المكونات السياسية في البلد، لأن هذا الامر يمكن أن يجرّ الويلات على المواطن أولا وأخيراً، والذي يدّعي الجميع أنهم يتكلمون بإسمه. وإذا كان المدخل للحل هو بإعداد قانون نيابي حول التقديمات للعمال، فإن هذا الاقتراح سيتطلب وقتا طويلا لإقراره في مجلس النواب، وبالتالي من واجب الجميع إصدار مرسوم للنقل يكفل إيصال الحقوق للمواطنين، وحين يقر هذا القانون في مجلس النواب سيسقط المرسوم حكما".
لكن ماذا عن تلويح "التيار الوطني" بإعداد مشروع للنظام الداخلي لمجلس الوزراء؟ يجيب وزير البيئة ناظم خوري على هذه النقطة بالقول "من الطبيعي أن يكون هناك نظام لمجلس الوزراء، وهذا أمر منصوص عليه في إتفاق الطائف، لكن السؤال هل من المفيد طرح هذا الامر في جو الانقسام والتشنج الذي تعيشه البلاد؟ ومَن هي الاطراف التي ستسهل تطبيق هذا المشروع في ظل الازمة الحالية؟، في رأيي هذا الطرح يزيد الامور تعقيدا ولا يسهّلها".