
لبنان والموارنة موضوع كبير وخطير وشيّق في آن معًا. عالجه كبارٌ أمثال ميشال شيحا وكمال الصليبي وشارل مالك وفؤاد الترك وفؤاد افرام البستاني والأباتي بولس نعمان وغيرهم من أساطين العلم والمعرفة والمناقبيّة، وأتوا بخلاصات وافية يُحال إليها كلّ من أراد أن يستفيد ويستزيد. أما هذه النبذة (الورقة) عن الموارنة فليست مقالًا في التاريخ، ولا بحثًا في السياسة، إنما استذكارات خواطر من وحي مناسبة عيد مار مارون الواقع في 9 شباط 2025.
لطالما تردّد حتى أنه ترسّخ في الأذهان من جرّاء كتابات من سبق وذكرنا أسماءهم، أنّ لبنان والموارنة صنوان، بل توأمان لا ينفصلان.
خلع عليهما الكتاب فعلًا أجمل الصور وأروع الأوصاف، تلك التي تعبّر عن أعمق روابط العهود والمواثيق بين البشر، وبين هؤلاء والآلهة.
فلبنان هذا الكيان القديم مرتع الحضارات الغابرة المتعاقبة والمتدافعة، وملهم أساطيرها، بدا من خلالها كدرّة الشرق.
تمتّع بفرادة مزايا شخصيّته الطبيعيّة: موقعًا ومناخًا وتضاريس وماء وهواء ونورًا وتناغم فصول، ولمّا تكتمل السمفونيّة.
وتقلّد أسماء مدن بتـن عرائس البحر المتوسّط من طرابلس إلى صور إلى غيرها من الحواضر والمستعمرات والجاليات في أفريقيا وأوروبا. وتوّج قمم جباله بهاء ثلج وثناء أرز غامر.
حلّ الموارنة في هذه الديار المميّزة في قديم الأزمان، وما برحوا هم من أهلها. تسطّر تاريخهم فيها رسميًّا مع دخول المسيحيّة إليها واعتناقهم لها دينًا سماويًّا خلاصيًّا من جرّاء عمل يسوع في ربوع صور وصيدا، ومن خلال نشاط الرسل التبشيري وتلامذتهم في المحلات عينها تزامنًا مع نشاطهم في أنطاكيا.
وتحتّم منذ البدايات على لبنان وعلى الموارنة أن يجتازا مسارًا طويلًا عسيرًا وشاقّـًا قبل أن يصبح هو وطنًا نهائيًّا لهم ولآخرين، وقبل أن يصبحوا هم شعبًا وكنيسة ذات هويّة ورسالة مشرقيّة وكونيّة.
نال أجداد الموارنة حظوةً، بل نعمةً، يوم تجمّل النصارى بحمل اسم المسيح لأوّل مرّة في أنطاكيا عاصمة الشرق، وبات اسم هذه الحاضرة يرصّع لقب بطاركة الموارنة على مدّ الأيّام والسنين.
وانتهجوا من عمق تراث أنطاكيا نهج الزهد والنسك والتجرّد، عصارة الروح المسيحيّة، ذاك نهج حرّية “العراء” الذي خطّه لنفسه مسلكًا وفلسفة مار مارون، شفيعهم الدائم، وهو من “غرس لله بستانًا”، نما وتكاثر فغدا شعبًا وكنيسة.
ونهلوا من معين فكر أنطاكيا المتنوّر والمتوازن جوهر معتقدهم، خصوصًا ما تحدّد في مجمع خلقيدونيّة سنة 451، في أنّ لشخص يسوع المسيح الإله المتجسّد طبيعتين كاملتين متّحدتين إلهيّة وإنسانيّة في أقنوم واحد.
وكان بين مقرّري هذا المجمع آباءٌ لهم مثّلوا جميع مدن سوريا ولبنان. بنى هؤلاء الآباء مباشرةً، على صخرة اتحاد اللاهوت بالناسوت، دير مار مارون، وكان هذا الدير على ما وصفه المؤرّخ العربي المسعودي “ذا بنيان عظيم حوله أكثر من ثلاثمئة صومعة فيها رهبان، وفيه من آلات الذهب والفضّة والجوهر شيءٌ عظيم”. ترأس هذا الدير على جميع الأديرة في سورية، ونشأت عنه تدريجيًا رعايا فأبرشيات فبطريركيّة فكنيسة.
غير أنّ الصراعات الدائمة بين العرب والبيزنطيين ومن حالفهم أدّت إلى خراب دير مار مارون، فنسب ذلك المؤرّخ المسعودي إلى “تواتر الفتن من الأعراب وحيف السلطان”.
وطالما تحوّل الصراع إلى اضطهاد شامل طاول جميع المسيحيين، فنزح عندها قسم كبير من الموارنة شطر لبنان قرب إخوان وخلاّن لهم فيه، من دون أن يتخلّوا عن حضورهم الدائم في النطاق الانطاكي لاسيّما في حلب وجوارها وأمكنة أخرى كما هو الحال الآن.
دفعت هذه المراحل الأساسيّة الموارنة إلى الاستمراريّة والاقبال على مراحل أخرى حاسمة، فتطلّعوا إلى المستقبل بهمّة زاخرة. تقوّى حضورهم في لبنان لاسيّما في الجبّتين بشرّي والزاوية، وفي جرود وأواسط البترون وجبيل. وتعمّرت القرى، وتطوّعت الأرض العاصية، وتدرّجت “جلولًا” مترابطة تعانق التلال، وتمسك بالجبال، وأخصبت بفعل العمل الدؤوب، وصارت مسكن ودّهم، ومورد رزقهم زمنًا طويلًا، ومن ثمّ مشهدًا طريفًا للعين، ومعينًا لكتب الرحّالة وللباحثين في الحياة الريفيّة.
إن استقرار الموارنة في جبل لبنان حوّله نحو “جبل مقدّس”. انتشر في ربوعه أريج الحريّة وهي شرط الحياة الكريمة المطلق. وتفوح في أرجائه عطر القداسة. قامت الأبرشيّات خصوصًا بعد المجمع اللبناني، وتوّزعت الرعايا على القرى. وتأسّست المدارس وفي طليعتها عين ورقة، أم المدارس في الشرق، ومحرّكة النهضة في الوسط العربي منذ القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين. وكان قد تسنى للموارنة أن يواكبوا عصر النهضة في أوروبا منذ البداية، مما أهّلهم ليكونوا روّاد النهضة العربيّة واعلامها.
حقّق الموارنة في لبنان تجربة حضاريّة فذّة وفريدة تمثّلت بالعيش المشترك بين مختلف العائلات الدينيّة التي أمّت لبنان. وطّدوا أركان الألفة والشراكة وغدوا اللحمة والخميرة الصالحة بل النواة التي شكّلت رسم هيكليّة لبنان المستقبل. وكان هذا المنطلق بالذات، وكانت هذه الرسالة رسالة لبنان، التي سبق وتكلّم عنها الزعيم الراحل كمال جنبلاط وكذلك محيي الدين النصولي، عقودًا قبل قداسة البابا يوحنا بولس السادس.
في الواقع تعامل الموارنة مع جميع المكوّنات التي حلّت في لبنان، وتعاونوا مع جميع السلالات التي حكمته وأخلصوا لجميعهم كلّ الاخلاص. فكانوا الفلاّح النجيب، والحرفي الحاذق، والتاجر الماهر، والجندي الشجاع، والدبلوماسي اللبق، والكاتب المستشار الفطن الأمين، والمكلّف الذي يؤدّي الضريبة لقيصر في حينه.
وهكذا تكرّرت تجربتهم مع العسافيين السنيين (1306-1516)، ومع المعنيين الدروز (1516-1697) ومع الشهابيين السنيين (1697-1841) حتى أن العديد من الخاصّة والعامّة تحوّل إلى المسيحيّة. وكانت القاعدة أن تلتحق العامّة بدين الخاصّة، فانقلبت القاعدة أمام حجّة الشهادة الحقّة.
وثابر الموارنة على جهادهم حتى تحوّلت الأمارة إلى متصرّفيّة أشرح حريّة، والمتصرّفيّة إلى دولة لبنان الكبير، اعترفت فيها فرنسا ودول عصبة الأمم سنة 1920، وأصبحت الدولة جمهوريّة بدستورها الأصيل 1926، واستقلّت سنة 1943 بفضل حسن ميثاقها ومرونة صيغتها.
واجتهد الموارنة فأنشأوا للجمهوريّة مؤسّسات تضمن حقوق جميع مكوّناتها أفرادًا وجماعات.
والآن بعد نكسات طالت عقودًا، وذكّرت بمآسي سابقة تجاوزها اللبنانيون، رجاؤنا في مطلع هذا العهد الجديد، عهد الرئيس العماد جوزيف عون، وإبّان سنة يوبيل الرجاء 2025، أن ينعم اللبنانيون بالسلام والهناء والرخاء.