شباط عدالة السماء.. ما صحّ إلا الصحيح

حجم الخط

شباط بيروتشباط بيروت

غريب شباط هذه السنة. شهر المفارقات الحادة. مشهدان في مكان واحد يرفرف فوقهما قدر واحد متناقض، الموت وأيضًا الحياة. في وسط بيروت ضريح رفيق الحريري يعلن عامه العشرين على اغتياله. وفي جنوب بيروت تشييع من اغتال الشهيد فوق أرض بيروته التي أحب وعمّر، وما بينهما بيروتان: واحدة حلوة ثائرة جميلة ساحرة تتغاوى على الحياة والشمس، كما أرادها وجعلها الشهيد الكبير، وأخرى سوداء قاحلة تسودها شريعة الغاب والموت والغياب، كما أرادها وجعلها صاحب الزمان والمكان قبل اغتياله. أي مفارقة هذه؟!

هذا شباط الذي ما على كلامه أي رباط، شباط اللبّاط الذي يعصف كانونًا حينًا، ونيسانًا أحيانًا أخرى، يحوي الحب والكراهية، التسامح والحقد، الحياة والموت، دولة وبقايا دويلة، وطن وفلول مزرعة، وبالاثنين يحتفل! أي مفارقة عجيبة غريبة تلك، أي بلد أنت يا لبنان!

عشرون عامًا صاروا. عشرون عامًا أو لعلها عشرون قرنًا، عبرت بنا على اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، مات في خلالها الرجل عشرون مرة وأكثر بكثير، وأكثر السنين موتًا عندما أعلنت المحكمة الدولية اسم قاتل ما ولم تعاقبه، ولم تتلفظ حتى باسم من حرّضه ودفعه ودفع له، وهو معروف بالاسم والحضور والكيان. حين ذاك أمعنوا في تشليع رفيق الحريري، لأن العدالة أغمضت عينيها عمدًا عن الحقيقة الفاقعة، فرقد الرجل في قهره مشلعًا من جديد. عشرون عامًا مرت بنا أهوال كثيرة، شعرنا لوهلات أننا لن ننهض من جديد، وسنبقى مع الحريري في تلك الحفرة، فعلوا بنا الكثير الكثير، وكنا نقاوم باللحم الحي الاحتلال، والاحتلال يحفر خنادق الموت والاضطهاد والقمع والعمالة لبلد غريب عنا، متوحش إرهابي، حوّل لبنان ساحة مستباحة للموت والانكسار والتخلف.

كل سنة كنا نقول إنها ستكون هي الأفضل وإذ بها أسوأ الأسوأ، الى أن… الى أن وبلمحة حلم غير متوقع، بدأنا نصعد من الحفرة التي شلّعوا فيها رفيق الحريري ورفاقه، بدأت أصابعنا تتلمس حفافي الضوء، بدأنا نبحث عما تبقى فينا من أشلاء متناثرة في أعماق الحفرة التاريخية الضخمة، ونلبس أجسادنا كاملة من جديد ونصعد لنحيا فينيق أسطوري لا يموت مع لبنان.

غريب شباط هذه السنة كيف جمع مفارقات غريبة، لعلها جاءت عمدًا لتكمل مشهدية عدالة السماء. في 14 شباط 2005 ابتلعت حفرة إرهاب ضخمة، من عمّر بيروت وجعلها مدينة مدن الشرق كله، وبعدها بسنوات قليلة، وعلى أثر إعلان المحكمة الدولية أسماء من اغتالوا الحريري وهم عناصر من “الحزب”، صعد نصرالله الى المنبر صارخًا “هؤلاء شرفاء مظلومين. لن يتم توقيف المتهمين من الحزب لا في 30 يومًا ولا في 300 سنة”… ومرّ عشرون شباطًا، ودارت الحياة دوراتها القاسية العجيبة على لبنان، ليُغتال صاحب هذا القول بنفسه، وتعجز بيئته عن تشيعه الا في شباط الحالي، وعلى بعد مسافة بسيطة حيث يحتفل بالذكرى العشرين لاغتيال الرفيق. يا الله، مخيفة السماء، مخيفة حين تبسط عدالتها على الأرض. خذلت عدالة البشر الشهيد الكبير، كما خذلت كل شهداء تفجير المرفأ وشهداء ثورة الأرز، وشهداء المقاومة اللبنانية عمومًا وعلى رأسهم الشيخ بشير، وشهداء تفجير كنيسة سيدة النجاة حتى اللحظة، ومعهم رمزي عيراني، إذ إن المجرم نفسه، وهو نفسه يسرح في الحياة بوقاحة موصوفة، وهو يعلم أننا نعلم انه المخطط والمنفذ، ولكنه بقي يتحدانا بقوة سلاح ميليشيا إيران، ولا نعرف متى تطاله عدالة السماء وتطال قاتل البشير كما حصل مع قتلة الحريري.

مشهدية أخرى غريبة كأنها مرسال سماوي ينده علينا بالصمود والإيمان بلبنان، نزول بلطجية ميليشيا إيران الى الشارع، في محاولة لإقفال مطار رفيق الحريري الدولي، احتجاجًا على منع دخول طائرة إيرانية الى المطار تبيّن أنها محمّلة بأموال لـ”الحزب”. فخرجت أفواج البلطجيين من الضاحية الجنوبية، حسبهم أنهم وككل مرة لن يتصدى لهم أحد، وإذ بالجيش يواجههم بقوة، ويلقنهم دروسًا باحترام القانون، ويعيد فتح الطرقات ويلاحق المعتدين والمتطاولين على الشرعية اللبنانية المتمثلة بالجيش اللبناني، فعادوا أدراجهم بعدما نشروا الفوضى والغضب العارم في قلوب اللبنانيين كافة. مشهدية إضافية طرأت من حيث لا نتوقع على الساحة اللبنانية وكأنها جاءت لتعلن علينا فصلًا جديدًا من فصول عدالة السماء، بأن من ينتهك أرض الوطن بنكران أهلها وشرعيتها وجيشها، أهل الأرض أنفسهم ينكرونه ويقفون صفًا واحدًا متراصًا ضده وخلف الشرعية والجيش. أحبك يا الله كيف ترسل تلك الإشارات على دفعات متتالية لتنشر فينا روح النضال والأمل.

وبقيت كلمات بسيطة عالقة على ذكرى اغتيال رفيق الحريري. نحن أكثر الناس الذين اختبروا الشهادة، فحين ينده الحب أحيانًا يصبح الورد شوكًا يغرز في قلوب الشوق على من حضنتهم الأرض بدل عناق الأحبة، 14 شباط 2005 تكلل قبر بالغار، فماذا سنخبر الشهيد؟ سنخبره بأن الغرور الذي أخذ قتلته الى البعيد البعيد عندما ظنوا أنهم أكبر من بلادهم، عاد الشهيد نفسه وذكّرهم بمقولته الشهيرة “ما حدن أكبر من بلادو”، وها هي الحفرتان تذكِر الجميع بما قاله الشهيد، ووحدها شهادة الكبار تتجرأ على التشبه بالأرض التي استشهدت لأجلها، ولذلك رفيق الحريري لك تحية وطن…​

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل