#dfp #adsense

موازنة اللّاجديد واللّاواعد

حجم الخط

معطيات الموازنة كما نشرت في "النهار" في تاريخ 15/ 2/ 2012 لا توفر أي عنصر جديد في التفكير المالي والاقتصادي في لبنان.

والوزير مروان خير الدين الذي نحترم تفكيره ومعرفته عبّر عن ثلاثة أهداف تحدد اطر مشروع الموازنة هي:
– القدرات الادارية التي تقولب فاعلية الدولة في مجال تنفيذ المشاريع بصورة سليمة وصحيحة.
– الحدود السياسية التي تتعلق بقدرة الدولة على التوفيق بين الأطراف لإبعاد السياسة عن الاقتصاد.
– تقييم القدرات المالية لقدرة الدولة على توفير التمويل اللازم لمشروع الموازنة.

إننا نخالف هذا التصور بصورة قاطعة لأسباب نعرضها ببعض التفصيل.

أولاً، القدرات الادارية ليست مرتهنة باستقطاب كفايات من الشباب اللبناني المقيم والمغترب للانخراط في العمل العام. فهذا الهدف على أهميته لا يحقق نتيجة التفعيل الاداري. فهناك اهتراء مخيف في الإدارة الحكومية وهنالك تكالب مرعب على تحميل المواطنين ضرائب غير منظورة، تتمثل في الرشى من أي نوع وعلى أي مستوى.

تحسين الإدارة في لبنان لن يتحقق ما لم نتوصل الى اقرار برنامج شامل ومتكامل لانجاز المعاملات العامة من طريق اعتماد افضل واوسع واحدث برامج المعلوماتية. ومن العيب على لبنان ان يكون حيث هو الآن على صعيد الادارة العامة، ودبي حيث هي حالياً ومنذ زمن على هذا الصعيد.

الاصلاح الاداري الذي يجعل انجاز الخدمات العامة، على سبيل المثال اعتماد المقاييس الالكترونية لقياس استهلاك الكهرباء وتحصيل المستحقات من الحسابات المصرفية، يوفر في أعداد الجباة، وفي ممارسات تغيير مقاييس الاستهلاك، وشبك اسلاك الاستفادة من المتسلطين على المواطنين الملتزمين الخ.

والوزير محمد فنيش، الذي شارك في اجتماع وضع تصور بنود الموازنة واهدافها، يعرف تمام المعرفة ان الادارة لن تتحسن بمجرد استقطاب كفايات، سرعان ما يفقد اصحابها حماستهم بعد انخراطهم في جيوش الموظفين المضافين الى جسم الدولة دونما مراعاة للإنتاجية والحاجات.

والأصعب من تحقيق التطوير الإداري إبعاد السياسة عن التحكم بمراكز العصب للنشاط الاقتصادي. فالادارة العامة، بحسب تصورات الموازنة، ستشكل 35 في المئة من حجم الدخل القومي، وهذه نسبة مرتفعة بحد ذاتها لبلد على مستوى لبنان في سلم التصنيف الدولي لمعدلات الدخل، وهي في الواقع نسبة تقل بكثير عن حجم القطاع العام من الدخل القومي، لان الأرقام لا تشمل موازنة صندوق الضمان الاجتماعي (دون احتساب حصة الدولة في الاشتراكات) ولا تشمل موارد مؤسسة ضمان الودائع، ولا تشمل ارقام ميزانية مصرف لبنان، ولا تشمل ارقام طيران الشرق الاوسط التي يملكها مصرف لبنان، ولا تشمل اشتراكات المياه، وموازنة بلدية بيروت الخ الخ. وفي وسعنا التأكيد ان حجم القطاع العام ومؤسساته، وغالبية هذه اداراتها تماثل ادارة الدولة بالاهتراء تفوق نسبة 50 في المئة من حجم الدخل القومي المعلن، فكيف للبنان ان يقوم من كبوته ونحن سنة بعد سنة نوسع دور مؤسسات الدولة… ونتمنى هكذا في المجال الفضائي اللاسمعي، اشراك القطاع الخاص في نشاطات الاتصالات، وانتاج الكهرباء وتوزيعها، والنقل، وفي القريب الغاز الخ.

الترياق لن يأتي من موازنة كهذه ولا من تطلع كهذا الى مستقبل اللبنانيين.
وحينما نأتي الى القدرات المالية للدولة نعود الى النغمة المعروفة، الدولة في حاجة الى المال لانجاز المشاريع، وتحسين العطاءات الاجتماعية، وتوسيع الغطاء الصحي، وتطوير قطاع التعليم الخ الخ.

إحصائيا، الدولة في حاجة الى زيادة مداخيلها، لكن الدولة إن شاءت ان تكون عادلة عليها أولاً ان تنظر في مجالات وقف الهدر، وألا تميز بين فئات المواطنين، وقد بيّنا مراراً وتكراراً ان الدولة تخص فئة سائقي السيارات العمومية بمنافع مادية عبر صندوق المرض والامومة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ورديات البنزين بـ190 مليون دولار سنوياً. وهذه الدولة ذاتها تقبل بتجميد ملياري دولار من عائدات التخابر، التي هي الاسوأ والأغلى في العالم، دون أي مردود وتستدين بمعدل سبعة في المئة مبالغ لسد العجوزات. وهنا نجد ان ما يفوت المواطنين هو 140 مليون دولار سنوياً، فاذا احتسبنا مخصصات سائقي التاكسي وهذا المبلغ نجد ان ثمة ضرورة لاختصار 330 مليون دولار من النفقات ان كانت ثمة شجاعة معنوية لدى الحكام.

ونعود الى الموارد التي يفترض زيادتها عبر ضرائب يقال إنها لن تصيب المواطنين العاديين بضرر، وهنالك بندان اساسيان، أولهما اقرار ضريبة على الارباح العقارية والتي يفترض ان تصيب الافراد لا الشركات، فهذه خاضعة للضريبة، ونحن نرى ان ثمة مجالاً لضريبة كهذه، انما يجب درسها بدقة. فالعمليات العقارية التي تؤدي الى بناء الشقق ومن ثم بيعها تحمل الكثير من الرسوم، منها ستة في المئة عند شراء العقار، ونحو أربعة في المئة رسوم استصدار رخص البناء، ومن ثم دفع نسبة ستة في المئة ممن يشتري الشقة او المكتب. فلا يجوز ان نعتبر ان هذا العمل العقاري لا يخضع لضرائب وتاليا يجب درس تفاصيل الضريبة المقترحة، وان يؤخذ في الاعتبار ان من يبيع شقة اشتراها بسعر معين بعد خمس او سبع سنوات لا يجوز ان يدفع ضريبة على فارق السعر ما بين الشراء والبيع.

والضريبة الثانية المقترحة تتعلق بفرض نسبة ضريبة اضافية على الخمسة في المئة المفروضة على عائدات الودائع، وفي رأينا ان هذا المنهج خاطئ لأسباب عدة وخصوصا في الوقت الحاضر.
من جهة اولى، يحتاج لبنان الى تحقيق فائض على حساب ميزان مدفوعاته كي تستقر معدلات الاسعار، ويستقر أو يتحسن سعر صرف الليرة تدريجا، والضريبة الواقعة حالياً على الفوائد المحققة هي مرتفعة وليس ثمة ما يماثلها في المنطقة. وفائض ميزان المدفوعات يتأثر بالتحويلات الى المصارف في المقام الاول.

والمودعون الذين شهدوا هبوط اسعار الفوائد خلال العامين المنصرمين، منهم نسبة ملحوظة من المتقاعدين الذين يؤمنون مستوى حياتهم من عائدات مدخراتهم، وهم يشهدون ارتفاعا للأسعار باطراد مع انخفاض الفوائد باطراد، فكيف يجوز تعريض هؤلاء لضرائب إضافية، ولو أحسنت الحكومة كبح الهدر لكان اولى بها الغاء ضريبة الخمسة في المئة على الفوائد المحققة للمدخرين.

اخيراً نشير الى التوقعات بالنسبة الى مداخيل النفط والغاز، فنقول إن هذه سابقة لأوانها، وان التفكير في انشاء صندوق للأجيال المقبلة امر مهم، لكن الاهم من ذلك بكثير للبنان واللبنانيين، والدولة والاقتصاد، الادراك ان المستقبل يرتهن بتشجيع الاستثمار وحصر العوائق الإدارية وخيار المعاصرة والحداثة، ولائحة المداخل الى النمو طويلة منها:

– معالجة قضية الكهرباء.
– اطلاق مشاريع حفظ المياه وتنقيتها.
– تحسين شبكة الاتصالات كي نرقى الى مستويات المنطقة.
– اعادة إنشاء مصفاتين لتكرير النفط.
– اتاحة حرية الطيران.
– تشغيل مطار رينه معوض.
– اقرار نظام متطور للتحكيم في القضايا التجارية.

اذا فعلت الحكومة فعلها وخاضت هذه المجالات لن يكون هنالك عجز في الموازنة بعد ثلاث سنوات، ولن تستمر هجرة المعطائين.
كل ذلك يحتاج الى شجاعة معنوية مفقودة لدى الطبقة السياسية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل