لو أُعطي التيار العوني الحصص التي طالب بها في الحكومة الأخيرة، لما أصبح اليوم جالساً في صفوف المعارضة. معارضته إذاً ليست معارضة مبدئية بل مصلحية، أسوةً بما كانت عليه موالاته ومحاصصاته منذ العام 2008 وحتى اليوم.
أما لماذا لم يُعطَ الحصص التي طالب بها، فلسببين رئيسيين:
الأول، هو عدم الثقة به وعدم الركون لكل كلامه وتعهداته حول فكّ تحالفه وارتباطه الاستراتيجي بـ”الحزب” الممانع، وتالياً الخشية من تكوين ثلث معطل داخل الحكومة يعيد لحليمة عوايدها القديمة، حتى وإن حاول السيد باسيل نقل هذا الارتباط من فوق الطاولة إلى تحتها لأسباب تكتيكية وسياسية تتعلق بمستقبل علاقاته العربية والدولية في ظل ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
الثاني، هو تجربته الطازجة في الحكم طيلة أكثر من خمسة عشر عاماً والتي أودت بالدولة إلى الافلاس، والمؤسسات إلى الشلل والمحسوبية والفساد، والشعب إلى الهلاك.
إذا كان التيار العوني قد أصبح معارضة اليوم فهذا ليس لأن تحالفاً رباعياً أو خماسياً أو ثلاثياً ما، يريد عزله وتطويقه وإخراجه من السلطة خوفاً منه ومن نزاهته وشفافيته و”إصلاحه وتغييره”، بل لأن الناس وكل الأحزاب والزعامات قرفت منه ومن نطنطاته وتقلباته وسماجته، ولأن سياسة زعيمه جبران باسيل أوصلت تياره إلى الطريق السياسي والحكومي والوطني المسدود والمعادلات المُقفلة، بفعل أمورٍ ومسائل لا علاقة لها بمبدأ الموالاة والمعارضة، بل بمبدأ استخدام الموالاة والمعارضة لا لنهوض البلد في حالة الموالاة أو النقد البنّاء لتقويم الاعوجاج في حالة المعارضة، بل لتحقيق مصالح خاصة ومراكمة شعبيةٍ عبر المحسوبية والمحاصصة والتوظيفات الاستنسابية في حالة الموالاة، وإطلاق الشعارات الغوغائية واعتماد السياسات الدعائية المدمّرة في حالة المعارضة، وفي كلتا الحالتين النتيجة واحدة: فشل، موت، إفلاس ودمار.
معارضة التيار العوني اليوم هي غير كل المعارضات، لأن تجربة اللبنانيين السابقة والحالية مع هذا التيار، أقلّه منذ العام 2005، تؤكد أنها ستكون معارضة ضد مشروع بناء الدولة القوية عملاً بمقولة “من ساواك بنفسه ما ظلمك”، فكيف يمكن لمن خرج للتو من السلطة مخلّفاً وراءه مزرعةً بكل المقاييس الدولتية والمؤسساتية، أن يسمح لمن يأتي بعده بأن يُقيم دولةً قوية فعلية على أنقاض تلك المزرعة فتسقط كل أوراق التين المتبقية له دفعةً واحدة؟.
صحيحٌ أن التيار أصبح في المعارضة لكن “ملائكته” لا تزال حاضرة داخل الحكومة عبر حلفائه الاستراتيجيين في ثنائي الممانعة، وإلى أن يعلن صراحةً فكّ تحالفه مع هذا الثنائي ووقف العمل بورقة التفاهم، سيبقى هذا التيار جزءاً لا يتجزأ من السلطة لو مهما انتحل صفة المعارضة.
