شهداء السِلّم ما راحوا.. هل يُنصِفُهم قضاء العهد الجديد؟

حجم الخط

لا… لم يسقطوا شهداء على جبهة تحرير الجنوب، أو على طريق القدس، أو أية جبهة أخرى. سقطوا غدرًا في زمن السِلم والسلاح المتفلت وعهد الميليشيات والعدالة الانتقائية. الياس الحصروني، باسكال سليمان، ورولان المرّ قُتلوا في عقر دارهم، في عهد دولة تدّعي سيادة القانون، لم تنتصر لهم بعد على رغم معرفة هوية القتلة.

في خطاب القسم تعهد رئيس الجمهورية جوزيف عون “أن نكون جميعًا تحت سقف القانون وتحت سقف القضاء، لا مافيات ولا بؤر أمنية بعد اليوم أو تدخل في القضاء”، وأنه سيعمل مع الحكومة المقبلة على إقرار مشروع قانون جديد لاستقلالية القضاء، وقد لاقاه رئيس الحكومة نواف سلام في خطاب التكليف، حيث أشار الى “وجوب العمل بكل طاقاتنا لإنصاف ضحايا تفجير مرفأ بيروت ولتحقيق العدالة لهم ولذويهم”. فهل سينصَفون؟؟

تساؤلات كثيرة دارت حول مصير جرائم قتل الياس الحصروني وباسكال سليمان ورولان المرّ، خصوصًا بعد وقوع جريمة قتل جورج روكز، آخر ضحية للفلتان الأمني والسلاح غير الشرعي، في الضبية وسرعة توقيف القاتل، لخصها الوزير السابق ريشار قيومجيان في تغريدة له عبر منصة “إكس” قال فيها: “خبر عظيم، تمكّنت الأجهزة الأمنية في أقل من 4 ساعات، من توقيف المدعو علي حسن عون من بلدة شبريحا – الجنوب، الذي قتل الشاب جورج روكز داخل معرض السيارات الخاص به في ضبية، لماذا لم تتمكّن بعد الأجهزة من اعتقال قاتل رفيقنا ‎رولان المرّ، قاتل معروف الهوية ومكان الإقامة ومصدر الحماية”؟.

عضو تكتل الجمهورية القوية النائب زياد حواط يقول إنه “بات معلومًا اليوم أن التحقيقات في جريمة استشهاد باسكال سليمان أدت الى توقيف عدد من القتلة وعدد آخر فرّ إلى سوريا، ونحن بانتظار تسليمهم للسلطات اللبنانية ومحاكمتهم. وما نطالب به اليوم هو استئناف التحقيقات وتفعيلها لكي نصل إلى الحقيقة كاملة، أي لماذا قُتل باسكال سليمان ومن هو الطرف الأساسي الذي يقف وراء جريمة قتله”؟

باسكال سليمان كان منسق منطقة جبيل في “القوات اللبنانية”، التي أصدرت بيانًا أكدت فيه أن “التحقيق في جريمة قتله يجب أن يكون واضحًا، وشفافًا، ودقيقًا وعلنيًا وصريحًا، بوقائعه وحيثياته، وحتى صدور نتائج هذا التحقيق نعتبر أن باسكال سليمان تعرّض لعملية اغتيال سياسي”.

“باسكال كان إنسانًا عصاميًا ومناضلًا صنع نفسه بنفسه”، يقول حواط. ويتابع: “كان شخصًا ودودًا واجتماعيًّا وقريبًا من الناس، عمل لخدمتهم.  رب عائلة كريمة ومحترمة ويلتزم بقيم عديدة في حياته وقد ربّى أبناءه عليها. ومعروف عنه أنه لم تكن لديه عداوات أو خصومات مع أحد.  وحتى في الخصومة السياسية كان يتعاطى مع الآخرين بانفتاح، وكان خصومه في السياسة يقدّرونه تماما كما مناصريه. وقد ترك أثرًا في المجتمع الجبيلي في كل النشاطات الأساسية التي لها علاقة بالحضور السياسي أو الاجتماعي”.

إن تغيير النهج السياسي الحاصل في لبنان وسوريا اليوم، يفتح بابًا واسعًا أمام الوصول الى الحقيقة في قضية استشهاد سليمان، لاأنه يُفترض أن القضاء في لبنان سيتحرك بفعالية أكثر، ويعيد فتح كل الملفات العالقة ومنها ملف باسكال سليمان، إضافة الى التعاون مع السلطة السورية الجديدة من أجل جلاء كل الحقيقة.

وفي السياق، يقول حواط: “لدينا أمل كبير جدًا في أن نصل الى الحقيقة كاملةً وإعلانها للرأي العام، ولا يجب أن ننسى أن هناك تغييرًا سياسيًا كبيرًا حصل أخيرًا مع انتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، والحكومة لم تتألف بعد. طبعًا هناك عمل كثير بانتظار إتمامه عندما تتألف هذه الحكومة، ويُفترض أن يثير وزير العدل الجديد بعد نيل الحكومة الثقة كل الملفات العالقة مع السلطات السورية، وأهمها في هذه القضية البحث بمذكرة استرداد قتلة سليمان الفارين الى سوريا، والذين صدرت بحقهم مذكرات توقيف غيابية، وصولًا الى تسليمهم”.

جريمة قتل رئيس مركز كرم الزيتون في الأشرفية رولان المرّ التي هزّت اللبنانيين في الأشرفية وخارجها، عكست حالة من التفلّت الأمني والاستهتار بأرواح المواطنين. وقد وُجهت دعوات متزايدة إلى الأجهزة الأمنية للتحرك الفوري واعتقال الجناة المعروفين بالأسماء والوجوه ووضع حدٍ نهائي للممارسات الخارجة عن القانون، والتي تنفذها مجموعات متزمتة تعمل تحت غطاء شعارات دينية بعيدة كل البعد عن قيمها. هذا ما عبر عنه النائب في تكتل الجمهورية القوية جهاد بقردوني في تغريدة له عبر منصة “إكس” قال فيها: “أين أصبح التحقيق في جريمة إغتيال رولان المرّ؟ المطلوب من الأجهزة الأمنية تحمل مسؤولياتها والقبض على الجناة. وعد يا رولان أن لا نهدأ قبل تحقيق العدالة لك”.

يقول منسق منطقة بيروت في “القوات اللبنانية” إيلي شربشي: “رولان شاب قواتي ملتزم منذ العام 2005 وهو رمز من رموز الأشرفية. تم تعيينه رئيسًا لمركز كرم الزيتون في القوات عام 2020. ومعلوم أن هذه المنطقة شعبية كونها تضم كل الأطراف السياسية. وكان هذا الرجل صاحب الوجه البشوش، والخدوم، والكريم، يسعى دائمًا للمصالحة بين الناس. وعلى يده تتلمذ الكثير من أهالي الأشرفية كونه يملك مكتبًا لتعليم قيادة السيارات”.

يضيف شربشي: “أول احتكاك فعلي بين القوات اللبنانية مع شبان ينتمون الى جنود الرب المدعومة من رئيس مجلس إدارة مصرف سوسيتيه جنرال أنطون صحناوي، وذلك عندما أطلقت القوات اللبنانية حملة لتنظيم الوجود السوري غير الشرعي في لبنان، وبسبب حساسية المنطقة وتنوّع الأطياف فيها، فإن العديد من سكانها هم من أصول سورية. فكان الخلاف الأول بيننا بسبب محاولتهم حماية نازحين سوريين يقيمون بطريقة غير شرعية، وتعتبر أن القرار في الأشرفية يعود لها وليس للقوات”.

أما الخلاف الثاني يتابع، فكان خلال حرب المساندة ولجوء النازحين الجنوبيين، حيث رفضنا دخول من لا نعرفهم كونهم يشكلون خطرًا على أمن المنطقة، ووضعنا أعلام القوات على حدود بيروت الأولى، الأمر الذي رفضه “جنود الرب”، معلنين أنه علينا استقبال النازحين. لكننا كنا حازمين بهذا القرار، الأمر الذي أدى الى وقوع إشكال كبير بيننا وبينهم، إضافة الى المشاكل الفردية التي كانوا يقومون بها ويتعرّضون من خلالها لأبناء المنطقة، وكان رولان في كل مرة يتدخل لفضّ الإشكالات في كرم الزيتون.

يوم الحادثة حصل تلاسن أمام مركز القوات في كرم الزيتون بين نائب رئيس المركز وأحد أفراد مجموعة “جنود الرب” على خلفية مرور سيارة ليقوم بعدها فردٌ من “جنود الرب” بضرب نائب رئيس المركز الذي هو في نفس الوقت شرطي بلدي والاستيلاء على سلاحه المرخص، كما اعتدوا بالضرب على شاب آخر كان متواجدًا مع نائب الرئيس أمام المركز استوجب دخوله الى المستشفى والبقاء مدة 5 أيام.

وعليه، يتابع شربشي، تدخل رولان وتكلّم مع المسؤول الأمني لدى الصحناوي فراس سعد، الذي أخبره بأن الإشكال قد حُلّ، وتم تسليم السلاح الى مخابرات الجيش. بعدها عقد رولان اجتماعًا في المركز تم على إثره إبلاغ الأجهزة الأمنية بضرورة وجود حل لهذه الإشكالات. وحاول رولان الاتصال بسعد لكنه لم ينجح، فاتصل بجوزيف منصور القاتل، والذي كانت تربطه صداقة عميقة مع رولان، واتفق الاثنان على اللقاء. فتوجه رولان مع ثلاثه أشخاص الى مبنى الصحناوي حيث مقر “جنود الرب”، من دون أي سلاح. وقبل الوصول الى المبنى ببضعة أمتار خرج حوالى سبعة شبان من “جنود الرب”، بينهم جوزف منصور مدجّجين بالسلاح، وبوضعية قتالية، بدأوا بالصراخ وإطلاق الشتائم طالبين أن لا يقترب أحد سوى رولان، الذي امتثل لطلبهم. وما أن بدأ بالتقدم نحوهم باشروا بإطلاق النار باتجاهه، وأُصيب بشكل مباشر برصاصة الكلاشنيكوف الذي كان يحمله منصور، ورصاصتين من سلاح آخر. ولم تستمر هذه العملية اكثر من 4 أو 5 دقائق، أُطلق فيها النار من جهة واحدة ليستشهد خلالها رولان. هرب بعدها القتلة وغادر فراس سعد مسؤول الأمن لدى الصحناوي الى فرنسا في نفس الليلة.

قانونًا، ادعت عائلة رولان على نبيل الصحناوي وفراس سعد وجوزف منصور وجمعية “جنود الرب”، لكن التحقيق الأولي في الفصيلة لم يكن على القدر المطلوب، تم بعدها نقله الى فرع المعلومات. كما أن تقرير الطبيب الشرعي الأول كان مخالفًا للأصول ولم يراعِ الشروط المطلوبة لناحية تشريح الجثة، وإهمال طريقة معالجة جرح الرصاصة من الأمام فقط، وإهمال الصور الأولية التي تم اتخاذها خلال العملية، والتي تظهر مسار الرصاصة، وذلك في تشويه فاضح للوقائع والتلاعب بالحقائق في محاولة يائسة للتضليل والكذب. وقد رفضت العائلة هذا التقرير وعيّنت طبيبًا شرعيًا أخر كتب تقريرًا مفصلًا وفقًا للأصول المتبعة في علم الجريمة.

ملف جريمة اغتيال المرّ أصبح اليوم عند قاضي التحقيق الأول الذي يتابعه بشكل جدي من خلال جلسات متتالية، وقد تم توقيف إثنين من المتهمين، 7 منهم لا يزالون متوارين عن الانظار..

تعمل العائلة اليوم على تحضير ادعاء مباشر بحق كل من فراس سعد ومجموعة “جنود الرب”، بإعتبارها جمعية أشرار، وطلب حلّها إما قضائيًا أو إداريًا، مع العلم بأنها قد لا تكون حائزة على علم وخبر، ولكن هذا الأمر لا يمنع صدور قرار عن مجلس الوزراء أو وزير الداخلية بإعتبارها جمعية أشرار، خصوصًا أن هناك أربع عمليات قتل مرتبطة بهم مباشرة، وعشرات الاعتداءات على الناس في محاولة واضحة لفرض واقع جديد في الأشرفية، بعيدًا عن القوانين والأعراف التي اعتادها سكان المنطقة، بحسب ما يوضح شربشي، ويشير الى أنه تم خلال أول 24 ساعة ممارسة ضغوط لطمس الحقيقة، قبل أن يُسحب الملف من فصيلة الدرك الى فرع المعلومات المشهود له بكفاءة ومناقبية ضباطه وعناصره، وعدم خضوعهم لأي تدخلات أو ضغوطات، الأمر الذي ينسحب أيضَا على مدّعي عام بيروت الذي اتخذ القرار بالادعاء عليهم، وحوّل الملف الى قاضي التحقيق الأول الذي يتابعه بكل أمانة.

بعد سنتين وأربعة أشهر، لا يزال الغموض يحيط بظروف مقتل منسق منطقة بنت جبيل السابق في “القوات اللبنانية” الياس الحصروني، ولغاية اليوم لم تقدم الأجهزة الأمنية والقضائية أية معلومات حول الجريمة ومن يقف خلفها، علمًا أن المعطيات المتوفرة لغاية الآن تفيد بأنه قد قُتل بجريمة مدبرة شارك فيها أكثر من 10 أشخاص وخمس آليات، ونُفذت بطريقة احترافية، ولكن لم تحدد بعد هوية الأشخاص على رغم ظهور ملامحهم في صور إحدى كاميرات المراقبة. وما ورد في تقرير الطب الشرعي على أثر تشريح الجثة أن الحصروني قضى نتيجة كسور في القفص الصدري ما تسبب بضغط على الرئتين ونزيف داخلي حاد أدى الى الوفاة.

وقد أسف منسق منطقة بنت الجبيل في القوات جوزف سليمان، وهو في نفس الوقت ابن خالة الحصروني، بأنه لا يوجد أي جديد في هذا الملف، ففي منطقة يسيطر فيها “الحزب” على جميع المفاصل، كان من الصعب جدًا الوصول الى أية معلومة جديدة في موضوع لهم ضلوع في تنفيذه، وبالتالي فإن هذه الجريمة لا تزال سياسية بانتظار كشف الحقيقة.

بعد نقل الملف من النبطية الى بيروت، اندلعت حرب المساندة في غزة لتساهم في تأخير أي تقدم. اليوم نأمل أن يستطيع رئيس الجمهورية تحريك الملفات النائمة في أدراج القضاء. ونحن كمركز قوات في بنت جبيل وعائلة، ننتظر وصول لحظة ظهور الحقيقة، مع العلم أننا تقريبًا متأكدون بأن من خطط ونفذ هذه العملية أصبح في دنيا الحق خلال الحرب الإسرائيلية، بعد أن استشبهنا فيهم بين عدد من صور قتلى “الحزب”، ومع ذلك نحن بانتظار إعادة فتح التحقيق لنصل الى جميع المعلومات المتعلّقة بهذا الملف وذلك إنصافًا لنا وللحقيقة.

ويستطرد سليمان، كنا نأمل أن تتسهّل التحقيقات في بيروت أكثر، ولكن للأسف هذا الأمر لم يحدث بسبب الحرب والنزوح، مما لم يسمح لنا بمتابعة ملاحقة هذا الملف. اليوم وبعد عودة الهدوء سنحاول إعادة تحريكه، ولكننا نتوقع أن نحصل على نفس الجواب، لأن الأشخاص المسؤولين عن التحقيق لا يزالون ذاتهم، وأكبر دليل على عرقلة الوصول الى الحقيقة، ملف انفجار مرفأ بيروت واغتيال رفيقنا باسكال سليمان.

واعتبر سليمان أن من خطط ونفذ عملية اغتيالهم هو نفسه مع اختلاف أذرعه، مشددًا على أن استشهاد الحصروني خلق حالة غضب وتعاطف عند الجميع من بينهم من ليسوا من خطنا السياسي، خاصة ان الحصروني كان شخصًا خدومًا، وموظفًا في شركة كهرباء بنت جبيل لأكثر من 20 عامًا، يساعد المحتاجين في كل اللحظات بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، وعمل على التآلف بين القرى، فكان مقاومًا عنيدًا صلبًا ورمزًا للعنفوان.

مع إنطلاقة العهد الجديد للجمهورية وضع الرئيس جوزيف عون خارطة طريق لاستقلالية القضاء في خطاب القسم، لأن تحقيق العدالة وكشف الحقيقة يتطلبان إرادة سياسية حقيقية لإزالة كل العوائق التي تعيق المسار القضائي السليم، كي لا تبقى العدالة انتقائية والحقائق مخفية.

 

كتبت غرازييلا فخري في “المسيرة” ـ العدد 1761

 

للإشتراك في”المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​
ك​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل